فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 451

فكل من ضل هو مستبدل خلاف الفطرة» [1] . وهم اعتمدوا على العقل في استخراج الدليل من القرآن الكريم على غرار منهج الفقهاء في استنباط الأحكام كالدليل الجغرافي في قوله سبحانه: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمََاءِ فِيهِ ظُلُمََاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقر: 19] : فالسحاب ينحدر من السماء التي يأخذ منها ماءه، وليس كما زعم الزاعمون أنه يأخذها من البحر [2] ، ويؤيد هذا قوله عز وجل: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ} [النور: 43] كالدليل الديني في الخروج على أمراء الظلم والجور من قوله تعالى: {فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللََّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] فسر الزمخشري قائلا: إن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في أمر من أمور الدين فارجعوا فيه إلى كتاب الله العزيز وسنة رسوله، وبأنه لا تلزم طاعة أمراء الجور الذين أمرهم الله سبحانه أولا بأداء الأمانات، وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل [3] .

وقد حملهم غلوّهم لمحاولة استخراج أدلة على الغيبيات من القرآن الكريم، وهي التي ليس في إمكان العقل إدراك أمورها منها قول الزمخشري عند قوله فوق النار» [4] . إلا أن هذه الأمثلة تدل على نزوع عقلي خالص لا تتعلق بأصولهم الاعتزالية دون أن ننسى أنهم يعتدون بالعقل ويعطونه أهميته ويعتمدون عليه اعتمادا. ومن استدلالهم العقلي المتجاوب مع مذهبهم أنهم قالوا في هذا السياق: إن الأنبياء بعثوا رسلا لينبّهوا من الغفلة ويبعثوا على النظر قال الزمخشري عند قوله تعالى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللََّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50] «فإن قلت: كيف جعل القول آية من ربه؟ قلت: لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل حيث هداه النظر في أدلة العقل والاستدلال» [5] وأضاف عند تفسيره قوله سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلََّا}

(1) م ن، ج 1، ص 190.

(2) انظر الكشاف، ج 1، ص 215214.

(3) انظر الكشاف، ج 1، ص، 536وكذا د. مصطفى الضاوي الجويني، منهج الزمخشري في تفسير القرآن، ص 106.

(4) الكشاف، ج 2، ص 82.

(5) م ن، ج 1، ص 432.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت