فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 451

السنة في بحث الإرادة عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ}

[الأعراف: 179] إذ ذهب السنيون أن اللام في (لجهنم) لام الغرض لذا اقتضى ظاهر الآية أن الله سبحانه خلق خلقا كثيرا من الإنس والجن ليعاقبهم في نار جهنم. بيد أن المعتزلة ردوا على هذا بأن لا يستدل في هذا بالسمع لأن صحة السمع تنبئ على كونه تعالى عدلا حكيما وهو ما لا يقول به أهل السنة! أما تخريج رأيهم من ناحية النحو فإن المعتزلة لا يرون اللام للغرض معللين رفضهم بأن لام الغرض لا تدخل على الأسماء الجامدة، وإنما تدخل على المصادر والأفعال المضارعة، وساقوا أمثلة لرأيهم منها قولهم: لا يقال: دخلت بغداد للسماء والأرض مثلما يقال: دخلت بغداد للعلم أو لطلب العلم، وجهنم اسم جامد فكيف تدخله لام الغرض؟ لذا إن قال أهل السنة: غرضه المعاقبة بجهنم كان عدولا عن ظاهر الآية وهو نزوع للتأويل. قال المعتزلة: نحن أولى به نتأوله على وجه يوافق دلالة العقل والسمع لذا فاللام لام المعاقبة لتوافق دلالة العقل [1] .

وقال الزمخشري: «هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم لإغرائهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار» [2] .

إن العقل آلة بحث الزمخشري وأداته في الفهم والاقتناع لذا وقف عند نصوص كثيرة من آي الذكر الحكيم وقفة عقلية يناقش المعاني، ويستنبطها على سبيل الاستدلال العقلي فقال عند قوله تعالى: {أُولََئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلََالَةَ بِالْهُدى ََ}

[البقرة: 16] : «إن قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟

قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها

(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 139138.

(2) الكشاف، ج 2، ص 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت