{وَإِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى الْأُخْرى ََ فَقََاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِيءَ إِلى ََ أَمْرِ اللََّهِ} [الحجرات: 9] الثاني: الطريق بالأمر الصعب إن لم يفد الأمر السهل وبعد استنفاذ سعي الصلح فيكون بالمقاتلة لأن الغرض لا ينتفع إلا بها [1] ، والذي ذهب إلى وجوب المقاتلة إذا لم يكن دفع المنكر إلا به فرق من أهل السنة وجميع المعتزلة والخوارج والزيدية [2] .
وقد جعلوا القتال فرضا عند التمكن منه وعدم اليأس من الظفر، وعملوا بترك التغيير باليد إذا كانوا في عدد لا يرجون الفوز والظفر لقلّتهم وضعفهم، وهو قول الإمام علي رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة [3] .
لقد قصدنا في بسطنا لهذه الأصول أن نوضح المنهج الفكري العام للمعتزلة ونكشف نسقهم الفكري من خلال أصولهم الخمسة لنعرف لاحقا كيف، فسّروا القرآن الكريم وفق هذه الأصول الفكرية بما وظفوه من أدوات خدموا بها مذهبهم، فدلت على أنهم نظروا إلى القرآن الكريم من خلال عقيدتهم التي قصدوا بها توحيد الله وعدله وتنزيهه عن كل شبه على أساس الاعتداد بالعقل قبل النقل فكثر مخالفوهم ومعادوهم واتسعت دائرتهما. وكان للمعتزلة في هذا الفضاء الصولة والجولة تدافع عن وجهة نظرها، وترد آراء غيرها وفق منهج صارم يبدو أنه غالى بخاصة في جانب التأويل الذي سعوا فيه إلى إخضاع ألفاظ القرآن الكريم لآرائهم، ففسروها بما ينسجم مع أفكارهم رغم ذهاب بعض الدارسين إلى أن أوائلهم هدفوا بالتأويل ذي السند العقلي أن يحفظوا القرآن من التشكيك، ولم يكن على أقل تقدير من باب التنصل من النقل أو نزوع نقدي حر وإنما كان عن ورع وتقوى [4] . ونحن رأينا مغالاتهم في التأويل لأنهم أجهدوا عقولهم خارج
(1) انظر م ن، ج 2، ص 373.
(2) نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي طمع في استرداد الخلافة بخروجه عن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلا أن اتباعه خذلوه فقتل. وهذه الفرقة أقرب الشيعة إلى الجماعة الإسلامية: انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 22، والايجي، المواقف في علم الكلام، ص 423418، ود. محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج 2، ص 5.
(3) نظر ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5، ص 20.
(4) انظر جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص 134133.