فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 451

ولقد تكونت لنا من خلال هذا الخضم فكرة طالما راودتنا في أمر التأويل المذهبي في كشاف الزمخشري أثناء إعدادنا بحث رسالة الماجستير حيث كنا في ثنايا تناول البحث آنئذ نجد الزمخشري ميّالا إلى نصرة الاعتزال في مسائل كثيرة يؤيدها بكل ما استطاع من فكر وبيان بتأويل بعض الآيات الكريمة تأويلا يوافق الأصول الخمسة للمعتزلة، ويردّ على أبرز مخالفيهم وهم أهل السنة. ولم يكن السنّة بدورهم ليتركوا تأويلات المعتزلة دون التصدي لها بخاصة في أبرز تفاسيرهم، وهو تفسير الزمخشري، «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل» ، فتبادل الفريقان ردودا مستفيضة في مواقف كثيرة من تفسير آى الذكر الحكيم، يؤسس فيها كل طرف تأويله أو رأيه واجتهاده على ما هو أقرب من معتقده، فلئن كان المعتزلة اعتدّوا بالعقل في إطار نسقهم الفكري: التوحيد العدل الوعد

والوعيد المنزلة بين المنزلتين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أهل السنّة لم يطلقوا العنان لعقلهم في تأويل الآيات الكريمة، وإنما حكموا اجتهادهم في ذلك بما يوافق القرآن الكريم ونص الحديث الشريف، ولا يتعارض معهما. ويبدو أن المعتزلة لم يفعلوا إلا ما فعل أهل السنّة غير أن كلا منهما يدّعي لنفسه صواب مذهبه، ولا يقرّ بكل ما يراه الطرف الآخر.

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مسألة جديرة بالبحث هي التأويل في التفسير بين أبرز الفرق الإسلامية: المعتزلة وأهل السنة. ولم نرد قصر ذلك على كشاف الزمخشري بل طرحنا إشكالية الموضوع بين الفريقين المذكورين. لكننا جعلنا كشاف الزمخشري رافدا لنا في ذلك متتبعين تأويلهم وما انجرّ عنه من ردود بينهما. ولا بد أن نبيّن هنا أننا نقصد بالتأويل الاجتهاد وإعمال الرأي الذي يعتمد الاستدلال على المعنى أو الحكم المراد من ظاهر النص. يسعى فيها المؤوّل إلى القرينة التى ترجّح المعنى أو الحكم لأن ظاهر النص يخلو مما يجزم بذلك. وعلى هذا يلجأ إلى البحث عن أدلة وقرائن تقطع بترجيح المعنى أو الحكم. وإذا فقدت هذه الأدلة والقرائن كان التأويل رأيا بالهوى. وليس التفسير بالرأي أو التأويل موضوعيا لأن المؤوّل أو المجتهد لا ينطلق فيه من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية، وإنما يبدأ من موقف في الحال، يحاول العثور له في النص القرآني على سند يعزز له في هذا الموقف فهو مستنبط يقوم تأويله على الدراية واستنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم.

يصرف فيه العلماء اللفظ إلى ما يؤول إليه، ولا يجوز لغيرهم الاجتهاد فيه. وهم أنفسهم ملزمون باعتماد الشواهد والأدلة دون أن يتفردوا برأيهم في التأويل على أن يوافق ما دلت عليه نصوص القرآن الكريم وجاءت به السنة النبوية الشريفة. وهذا هو التأويل الصحيح عندهم، أمّا ما خالفه ففاسد. وقد قال المعتزلة والجهمية أصحاب جهم بن صفوان (ت 138هـ) ، وغيرهم من المتكلمين بالتأويل المراد به صرف اللفظ عن ظاهره وهو السائد في عرف المتأخرين من الأصول والفقه، فجعلهم يقولون: التأويل على خلاف الأصل، والتأويل يحتاج إلى دليل.

وقد وردت كلمة التأويل في سبع سور من القرآن الكريم، واستعملت أكثر من مرة في بعض السور: آل عمران: 77مرتان. النساء: 59. الأعراف: 5353

مرتان. يونس: 39. يوسف: 10110045443736216، الإسراء: 35. الكهف: 8278. وجاء عدد لفظها سبع عشرة مرة في خمس عشرة آية، وتناول مسائل متفرقة. والأمر الملحوظ في آى الذكر الحكيم أن (التأويل) لم يذكر إلا وهو مقترن بذكر الله عز وجل صراحة أو ضمنا لذلك نعتقد بأنه لا يكون من خلال القرآن الكريم إلا علما إلهيا استأثر الله سبحانه به واختص به بعض أنبيائه كالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والنبى يوسف، والخضر عليهما السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت