قال أبو سعيد: دخول الفاء في هذا الموضع ونحوه يجري مجرى الفاء في جواب الشرط وجواب الشرط قد يكون متأخرًا في الكلام ومتقدمًا في المعنى كقول القائل: من يظهر منه الفعل المحكم فهو عالم به ومن يقتصد في نفقته فهو عاقل .
ومعلوم أن العلم بالفعل المحكم قبل ظهوره وعقل المقتصد قبل الاقتصاد ممتنع .
وإنما يقدر في ذلك: من يظهر منه الفعل فيحكم أنه عالم به .
وكذلك لو جعلناه جزاء فقلنا: زيد إن ظهر منه الفعل المحكم فهو عالم فهو محكوم له بالعلم بعد وكذلك قوله تعالى:"فجاءها بأسنا بياتًا"لما أهلكها الله حكم بأن البأس جاءها بياتًا أو بالنهار .
ونحو هذا في القرآن والكلام كثير .
قال الله تعالى:"فلم تقتلون أنبياء الله"والخطاب لليهود بعد قتل أسلافهم الأنبياء على معنى: لم ترضون بذلك وقال عز من قائل:"إذا زلزلت الأرض زلزالها"إلى قوله"فمن يعمل مثقال ذرة"الآية .
ومعلوم أنه لا يشترط في الآخرة شروط الثواب والعقاب .
وفي هذا جوابان .
أحدهما: أن معنى"فمن يعمل"أي: فمن يظهر ذلك اليوم في صحيفته خير أو شريرى مكافأته .
والآخر: أن المعنى: فمن يعمل في الدنيا .
ويكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكر في الآخرة على معنى: أن ما يكونه الله في الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل في الدنيا خيرًا أو شرًا يره كما يقول القائل: الآخرة دار المجازاة فمن يعمل خيرًا يره .
ولم يرد خيرًا مستأنفًا دون ما عمله العاملون .
وقد يكون ذلك أيضًا على مذهب الإرادة فيكون التقدير: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا .
كما قال الله تعالى"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم"والقيام بعد غسل الوجه .
والمعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة .
قال الفراء: ربما أتى ما بعد الفاء سابقًا إذا كان في الكلام دليل السبق .
فإذا عدم الدليل لم يجز .
وذكر قول الله تعالى:"وكم من قرية أهلكناها فجاءها باسنا"فذكر عن قوم قالوا: البأس قبل الإهلاك كما تأولوا في"ثُمَّ"مثل هذا في قوله تعالى:"خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها"أي ثم خلقكم منها .
وقيل: معناها: خلقكم من نفس وحدها جعل الزوج منها بعد التوحيد فأفادت واحدة هذا المعنى .