فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 708

من ذَلِك فَلَا يُقَال ماكر من أجل أَن لَهُ مكرا ولاأنه كياد من أجل أَنه يكيد وَأَن لَهُ كيدًا وَلَا يُسمى مستهزئًا من أجل أَنه يستهزئ بهم فقد أبطل مَا أصلوه من أَن كل فعل فَإِنَّهُ يُسمى مِنْهُ وينسب إِلَيْهِ وَلَا يشغب هَا هُنَا مشغب مَعَ من لَا يحسن المناظرة فَيَقُول إِنَّمَا قُلْنَا أَنه يكيد ويستهزئ ويمكر وينسى على الْمُعَارضَة بذلك فَإنَّا نقُول لَهُ صدقت وَلم نخالفك فِي هَذَا لَكِن ألزمناك أَن تسميه تَعَالَى كيادًا وماكرًا ومستهزئًا وناسيًا على معنى الْمُعَارضَة كَمَا تَقول فَإِن أَبى من ذَلِك وَقَالَ أَن الله تَعَالَى لم يسم بِشَيْء من ذَلِك نَفسه فقد رَجَعَ إِلَى الْحق ووافقنا فِي أَن الله تَعَالَى لَا يُسمى ظَالِما وَلَا كَافِرًا وَلَا كَاذِبًا من أجل خلقه الظُّلم وَالْكفْر وَالْكذب لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يسم بذلك نَفسه وَإِن أنكر ذَلِك تنَاقض وَظهر بطلَان مذْهبه

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد وافقونا على أَن الله تَعَالَى خلق الْخمر وحبل النِّسَاء وَلَا يجوز أَن يُسمى خمارًا وَلَا محبلًا وَأَنه تَعَالَى خلق أصباغ القمارى والهداهد والحجل وَسَائِر الألوان وَلَا يُسمى صباغًا وَأَنه تَعَالَى بنى السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَا يُسمى بِنَاء وَأَنه تَعَالَى سقانا الْغَيْث ومياه الأَرْض وَلَا يُسمى سقاء وَلَا ساقيًا وَأَنه تَعَالَى خلق الْخمر والخنازير وإبليس ومردة الشَّيَاطِين وَكَذَلِكَ كل سوء وسيء وخبيث ورجس وَشر وَلَا يُسمى من أجل ذَلِك مسيئًا وَلَا شريرًا فَأَي فرق بَين هَذَا كُله وَبَين أَن يخلق الشَّرّ وَالظُّلم وَالْكفْر وَالْكذب ومعاصي عباده وَلَا يُسمى بذلك مسيئًا وَلَا ظَالِما ولاكافرا وَلَا كَاذِبًا وَلَا شريرًا وَلَا فَاحِشا وَالْحَمْد لله على مَا من بِهِ من الْهدى والتوفيق وَهُوَ المستزاد من فَضله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَيُقَال لَهُم أَيْضا أَنْتُم تقرون بِأَنَّهُ خلق الْقُوَّة الَّتِي بهَا يكون الْكفْر وَالظُّلم وَالْكذب وهيأها لِعِبَادِهِ وَلَا يسمونه من أجل ذَلِك يغريا على الْكفْر وَلَا معينا للْكَافِرِ فِي كفره وَلَا مسببًا للكفر وَلَا واهبًا للكفر وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي عبتم وأنكرتم يُقَال لَهُم أَيْضا أخبر عَن تعذيبه أهل جَهَنَّم فِي النيرَان أمحسن هُوَ بذلك إِلَيْهِم أم مسيء فَإِن قَالُوا بل محسن إِلَيْهِم قَالُوا الْبَاطِل وخالفوا أصلهم وسألناهم أَن يسْأَلُوا الله عز وَجل لأَنْفُسِهِمْ ذَلِك الْإِحْسَان نَفسه وَإِن قَالُوا أَنه مسيء إِلَيْهِم كفرُوا بِهِ وَإِن قَالُوا لَيْسَ مسيئا إِلَيْهِم قُلْنَا لَهُم فهم فِي إساءة أَو فِي إِحْسَان فَإِن قَالُوا لَيْسُوا فِي إساءة كابروا العيان وَإِن قَالُوا بل هم فِي إساءة قُلْنَا لَهُم هَذَا الَّذِي أنكرتم أَن يكون مِنْهُ تَعَالَى إِلَيْهِم حَال هِيَ غَايَة الْإِسَاءَة وَلَا يُسمى بذلك مسيئًا وَأما نَحن فَنَقُول لَهُم إِنَّهُم فِي غَايَة المساءة والإساءة والسخط إِلَيْهِم وَعَلَيْهِم وَلَيْسَ السخط إحسانًا إِلَى المسخوط عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ اللَّعْنَة للملعون وَإنَّهُ تَعَالَى محسن على الْإِطْلَاق وَلَا نقُول أَنه مسيء أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا قُلْنَاهُ من انه لَا يجوز أَنه يُسمى الله تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ عَن نَفسه وَلَا مزِيد فَإِن قَالُوا إِذا جوزتم أَن يفعل الله تَعَالَى فعلا مَا هُوَ ظلم بَيْننَا وَلَا يكون بذلك ظَالِما فجوزنا أَن نخبر بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ وَلَا يكون بذلك كَاذِبًا وَإِن لَا يعلم مَا يكون وَلَا يكون بذلك جَاهِلا وَإِن لَا يقدر على الشَّيْء وَلَا يكون بذلك عَاجِزا قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق هَذَا محَال من وَجْهَيْن أَحدهمَا أننا قد أوصحنا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم ظلم لعَينه وَلَا بِذَاتِهِ الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا الظُّلم بِالْإِضَافَة فَيكون قتل زيد إِذا نهي الله عَنهُ ظلما وَقَتله إِذا أَمر الله بقتْله عدلا وَأما الْكَذِب فَهُوَ كذب لعَينه وبذاته فَكل من اخبر بِخَبَر بِخِلَاف مَا هُوَ فَهُوَ كَاذِب إِلَّا أَنه لَا يكون ذَلِك إِثْمًا وَلَا مذمومًا إِلَّا حَيْثُ أوجب الله تَعَالَى فِيهِ الْإِثْم والذم فَقَط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت