فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 708

خلقه وَيُقَال لَهُم إِذْ لم تَجدوا فَاعِلا فِي الشَّاهِد إِلَّا جسمًا وَلَا عَالما إِلَّا بِعلم هُوَ غَيره وَلَا حَيا إِلَّا بحياة هِيَ عرض فِيهِ وَلَا مخبرا عَنهُ إِلَّا جسمًا أَو عرضا وَمَا لم يكن كَذَلِك فَهُوَ مَعْدُوم وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يعقل ثمَّ رَأَيْتُمْ الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك كُله وَلم تحكموا عَلَيْهِ بالحكم فِيمَا وجدْتُم فقد وَجب ضَرُورَة أَن لَا يحكم عَلَيْهِ تَعَالَى بالحكم علينا فِي أَن يُسمى من أَفعاله وَلَا فِي أَن ينْسب إِلَيْهِ كَمَا ينْسب إِلَيْنَا بِلَا خلاف ذَلِك بالبرهان الضَّرُورِيّ وَهُوَ أَن الله عز وَجل خلق كل مَا خلق من ذَلِك مخترعًا لَهُ كَيْفيَّة مركبة فِي غَيره فَهَكَذَا هُوَ فعل الله تَعَالَى فِيمَا خلق وَأما فعل عباده لما فعلوا فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه ظهر ذَلِك الْفِعْل عرضا مَحْمُولا فِي فَاعله لِأَنَّهُ إِمَّا حَرَكَة فِي متحرك وَأما سُكُون فِي سَاكن أَو اعْتِقَاد فِي مُعْتَقد أَو فكر فِي متفكر أَو إِرَادَة فِي مُرِيد وَلَا مزِيد فَبين الْأَمريْنِ بون بَائِن لَا يخفى على من لَهُ أقل فهم وَأما الْمَدْح والذم واشتقاق اسْم الْفَاعِل من فعله فَلَيْسَ كَمَا ظنُّوا لَكِن الْحق هُوَ أَنه لَا يسْتَحق أحد مدحًا وَلَا ذمًا إِلَّا من مدحه الله تَعَالَى أَو ذمه وَقد أمرنَا الله تَعَالَى بِحَمْدِهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ فَهُوَ عز وَجل مَحْمُود على كل مَا فعله مَحْبُوب لذَلِك وَأما من دونه تَعَالَى فَمن حمد الله تَعَالَى فعله الَّذِي أظهره فِيهِ فَهُوَ ممدوح مَحْمُود وَمن ذمّ عز وَجل فعله الَّذِي أظهره فِيهِ فَهُوَ مَذْمُوم وَلَا مزِيد وبرهان هَذَا إِجْمَاع أهل الْإِسْلَام على أَنه لَا يسْتَحق الْحَمد والمدح إِلَّا من أطَاع الله عز وَجل وَلَا يسْتَحق الذَّم إِلَّا من عَصَاهُ وَقد يكون الْمَرْء مُطيعًا مَحْمُودًا الْيَوْم ممدوحًا بِفِعْلِهِ إِن فعله الْيَوْم وكافرًا مذمومًا بِهِ إِن فعله غَدا كَالْحَجِّ فِي أشهر الْحَج وَفِي غير أشهر الْحَج ولصوم يَوْم الْفطر والأضحى وَصَوْم رَمَضَان وكالصلاة فِي الْوَقْت وَقبل الْوَقْت وَبعد الْوَقْت وكسائر الشَّرَائِع كلهَا وَقد وجدنَا فَاعِلا للكذب قَائِلا لَهُ وفاعلًا للكفر قَائِلا بِهِ وهما غير مذمومين وَلَا يُسمى وَاحِد مِنْهُمَا كَاذِبًا وَلَا كَافِرًا وهما الحاكي وَالْمكْره فَبَطل مَا ظنت الْمُعْتَزلَة من انه كل من فعل الْكَذِب فَهُوَ كَاذِب وَمن فعل الْكفْر فَهُوَ كَافِر وَمن فعل الظُّلم فَهُوَ ظَالِم وَصَحَّ أَنه لَا يكون كَاذِبًا وَلَا كَافِرًا وَلَا ظَالِما إِلَّا من سَمَّاهُ الله تَعَالَى كَافِرًا وكاذبًا وظالمًا وَإنَّهُ لَا كفر وَلَا ظلم وَلَا كذب إِلَّا مَا سَمَّاهُ الله كفرا وكذبًا وظلمًا وَصَحَّ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي لَا محيد عَنْهَا أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء مَحْمُود ممدوح لعَينه وَلَا مَذْمُوم لعَينه وَلَا كفر لعَينه وَلَا ظلم لعَينه وَأما مَا لَا يَقع عَلَيْهِ اسْم طَاعَة وَلَا مَعْصِيّة وَلَا حكمهَا وَهُوَ الله تَعَالَى فَلَا يجوز أَن يُوقع عَلَيْهِ مدح وَلَا حمد وَلَا ذمّ إِلَّا بِنَصّ من قبله فنحمده كَمَا امرنا أَن نقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين وَأما من دونه مِمَّن لَا طَاعَة تلْزمهُ وَلَا مَعْصِيّة كالحيوان من غير الْمَلَائِكَة وكالحور الْعين وَالْإِنْس وَالْجِنّ وكالجمادات فَلَا يسْتَحق حمدًا وَلَا ذمًا لِأَن الله لم يَأْمر بذلك فِيهَا فَإِن وجد لَهُ تَعَالَى أَمر بمدح شَيْء مِنْهَا أَو ذمه وَجب الْوُقُوف عِنْد أمره تَعَالَى كأمره تَعَالَى بمدح الْكَعْبَة وَالْمَدينَة وَالْحجر الْأسود وَشهر رَمَضَان وَالصَّلَاة وَغير ذَلِك وكأمره تَعَالَى بذم الْخمر وَالْخِنْزِير وَالْميتَة والكنيسة وَالْكفْر وَالْكذب وَمَا أشبه ذَلِك وَأما مَا عدا هذَيْن الْقسمَيْنِ فَلَا حمد وَلَا ذمّ واما اشتقاق اسْم الْفَاعِل من فعله فَكَذَلِك أَيْضا وَلَا فرق وَلَيْسَ لأحد أَن يُسَمِّي شَيْئا إِلَّا بِمَا أَبَاحَهُ الله تَعَالَى فِي الشَّرِيعَة أَو فِي اللُّغَة الَّتِي أمرنَا بالتخاطب بهَا وَقد وَجَدْنَاهُ تَعَالَى أخبرنَا بِأَن لَهُ كيدًا ومكرًا ويمكر ويكيد ويستهزئ وينسى من نَسيَه وَهَذَا لَا تَدْفَعهُ الْمُعْتَزلَة وَلَو دَفعته لكفرت لردها نَص الْقُرْآن وهم مجمعون مَعنا على أَنه لَا يُسمى باسم مُشْتَقّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت