قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمهم عليه أحد] .
ذكر المصنف أنه لما فرغوا من غسله كفنوه، وكفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب سحولية -وهي بلدةٌ في اليمن-، والثياب كانت من قطن، ولذلك جاءت في بعض الروايات أنها من كرسف، والكرسف هو القطن.
فكفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجًا دون أن يخلعوا ما كان عليه من ثياب، ثم شرع المسلمون يصلون عليه، والناس الآن يصلون على الميت جماعة خلف إمام كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام على أموات المسلمين في حياته، صفهم لما صلى على النجاشي، وصفهم لما صلى على غيره، لكن الصحابة رضي الله عنهم لم يصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا بمعنى أفرادًا، كل شخص يصلي عليه لوحده من غير إمام.
والروايات جملة تدل على أن أول من صلى عليه عمه العباس لكونه كبير بين هاشم وعم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذوا يصلون عليه عشرة عشرة، فصلى عليه أول الأمر بنو هاشم آله عليه الصلاة والسلام، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه باقي الناس، ثم صلى عليه النساء ثم الصبيان، وقيل: الصبيان ثم النساء.
والمقصود أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا أفرادًا، وهذا أمر متفق عليه.
واختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلى الصحابة على نبيهم صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة، وقد قيل: إن هذا من باب التعبد الذي لا يعقل معناه، وأجمل الأجوبة التي قيلت ما قاله الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: إن الصحابة صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أفذاذًا لعظيم قدره؛ ولأنه لا يمكن أن يأمهم عليه أحد لتنافسهم على ذلك.
يعني: استعظموا أن يأمهم أحد على صلاتهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم لعظيم قدره.
هذا تعليل الشافعي رحمه الله، وقال غيره - ولا تعارض بين تعليل الشافعي وتعليل غيره: حتى تكثر الصلاة عليه لكثرة من يصلي عليه أفرادًا، فتكثر الصلاة عليه جماعة بعد جماعة، عشرةً بعد عشرةً، كلهم يصلي عليه فردًا فردًا.
هذا من إكثار الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام.
وقيل: حتى تكون الصلاة فردية من المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه.