فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 48

ونأتي الآن إلى الأدلة، أدلة القول الأول وهو قول الجماهير: مفهوم المخالفة، والتصريح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة) وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم.

ودليلهم في مسافة القصر: أن مسافة القصر هي التي تسمى سفرًا، وهذا مستنبط من اللفظ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة) يدل على أن التحريم لا يكون إلا فيما يسمى سفرًا والعرف الحاكم في هذه المسألة هو عرف الأولين، والسفر كان يحسب سفرًا إذا تجاوز مسافة القصر.

واستدلوا أيضًا بحديث: (لا تسافر المرأة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) .

وقالوا: اليوم والليلة تمثيل، فعندنا أمران: مسافة، ووقت، فالحكم تذبذب بين علتين فأيهما يغلب يحكم به، فإن اختلف الأمر في السفر على الطول كأن سافرت يومًا وليلة إلى أمريكا فنقول: لا يحل لكِ أن تسافري بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن سافرت أقل من يوم وليلة لكن المسافة طويلة جدًا، كأن تسافر بالطائرة أو بالسيارة فنقول: يصير ننظر هنا للمسافة وليس للوقت فأيهما يغلب يحكم، فإن غلبت المسافة قلنا: يحكم بها؛ لأن الأصل أن المرأة لا يجوز أن تخرج أصالة، فهذا هو الأصل العام في التقعيد الشرعي، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] .

القول الثاني: قول الذين قالوا بصحة سفر المرأة إن كان معها صحبة آمنة للحج فقط، وقالوا: عندنا دليل ظاهر، فأدلتكم عامة ودليلنا خاص.

قلنا: ما هو الدليل الظاهر؟ قالوا: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لتمرن الظعينة -قال-: ولتطوفن بالبيت لا تخش إلا الله والذئب على الغنم) وهذا تخصيص ولا يعارض خاص بعام، فالخاص قوله: (تطوف بالبيت) فجعلها في الحج، فقلنا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم) إلا في حالة واحدة وهي الحج، وبشرط وجود الصحبة الآمنة، وهذا الدليل من القوة بمكان، فوجه الشاهد هو قوله: (لا تخاف إلا الله والذئب على الغنم) ، أي: لا تخاف وهي وحدها إلا الله والذئب على الغنم.

فالمكان آمن بالنسبة لها.

القول الثالث: أن العبرة باليوم والليلة، فلو قطعت كل المسافات في أقل من يوم وليلة لصح أن تسافر وحدها، واستدلوا بمفهوم المخالفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم) ، فقالوا: مفهوم المخالفة أن لها السفر في أقل من يوم وليلة مع غير ذي محرم.

القول الرابع: حجة أصحابه أن مدار المسألة على النظر.

وفي هذا أيضًا قوة؛ لأنك تنظر للأثر والنظر، فنظرنا في العلة والحكمة التي من أجلها منعت المرأة من السفر وحدها، فوجدناها الخوف على المرأة من أن يطمع فيها الطامعون، والرعاع السفهاء فيخدشون حيائها، أو يغتصبون كرامتها.

إذًا: فالمسألة تدور على الأمان وعدم الخوف، فإذا أمنت المرأة مع صحبة آمنة سواء في سفر حج أو غيره فإننا نقول بسفرها، وهذا نظر دقيق؛ لأن القاعدة عند الفقهاء هي: الحكم يدور مع علته حيث دارت وجودًا وعدمًا.

وهذه وجهة نظرية محضة، واستقوا هذا النظر من حديث: (لتمرن الظعينة) .

والقول الصحيح الراجح في ذلك هو قول الجمهور: وهو أنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر غير ذي محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أناط الإيمان بذلك، ومعنى ذلك: أنها لو سافرت مع غير ذي محرم فهي منزوعة الإيمان، ولا يعنى بهذا أنها كافرة، بل المعنى أنها خرجت من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام.

فلما وجدنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجد امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسافة قصر مع غير ذي محرم) ونفي الإيمان يدل على أن الفعل المنهي عنه من الكبائر، فلما أناط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بعدم السفر، وأناط الكبيرة بالسفر من غير ذي محرم، قلنا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) وقيدناها بمسافة القصر؛ لأن العلماء نظروا في السفر عرفًا فوجدوه لا يسمى سفرًا إلا إذا كان مسافة القصر وهي أربعة برد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت