ولا يُخفي جواد مغنية مرارته حين يقول: إن ثلة من خيرة الشباب العاملي قضوا في طلب العلم والدين سنوات طوالًا، وبعد أن اجتمعت لهم الشروط تحولوا عنه مغتبطين حين وجدوا الفرصة للتحرر والانطلاق، هذه الظاهرة آيات بينات على عدم الثقة بمصير العلم ورجال الدين (20) .
وكان طالب العلم في النجف يقيم مدة تؤهله لإصلاح إحدى القارات الخمس، فإذا عاد إلى بلده لم يحصل له من المال ما يتناوله حارس أو موظف بريد، فانحطت مكانة عالم الدين الاجتماعية والأدبية انحطاطًا ذريعًا، حتى لقد أخذ بعضهم على أهل جبل عامل ضنهم على العالم بالرغيف (21) !!
وقد تسببت هذه الحال في حسرة ومرارة شديدة لدى الشيعة؛ حيث مثلت هذه الحال حائطًا كبيرًا أمام تحقيق الأحلام المنشودة، ولهذا يقول وضاح شرارة: ولا شك أن انصراف طلبة العلم الديني الإمامي إلى غيره وإحجام وَلَدِ من استووا أعلامًا على التشيع - ليس في جبل عامل أو لبنان وحده؛ بل في العالم العربي والإسلامي"الشيعي"كله - عن اقتفاء سنة آبائهم، ظهر ذلك بمظهر تنكب تاريخ برمته، ولما كانت الجماعة العاملية التي جرى مثقفوها من علماء وأفندية وأساتذة على تسميتها بـ"الأمة"أناطت بتشيعها وببلائها وبلاء علمائها في حفظ التشيع ورعايته واستمرارها واستقلالها، وقع انقطاع المنقطعين عن طلب العلم النجفي عليها وعلى مثقفيها وقوعًا قاسيًا وأليمًا (22) .
وقد كان من أسباب اضمحلال التعليم الإمامي في لبنان والعزوف عنه أنه كان يؤخذ على جامعة النجف - إضافة إلى البعد المكاني - انزواؤها وانكفاؤها، وبعدها عن العالم المحيط بها ومشكلاته وقضاياه، وإذ تركها من تركها منهم أقبل على السياسة وعلى الحياة السياسية إقبال النهم، وباشرها كتابة ودعاوى وتظاهرًا وتنظيمًا، أما من لم يتركها فقدم الدعوة إلى الإصلاح. واعتبر بعضهم أن أصل البلاء: هو عجز العلماء عن مماشاة العصر، وقال:"تطورت الحياة وجمدنا، وتكلم العصر وخرسنا، إن على العالم أن يتصل بجميع طبقات الشعب اتصالًا وثيقًا ويحيط بأحوالها مباشرة، ويسير بحسب التطور مع المحافظة على الدين الحقيقي" (23) .
وبهذا فقد تمثلت المأساة الإمامية في لبنان في أمور عدة نوجزها بالآتي:
1 -غياب القيادة الدينية التي تمثل مرجعية واعية لتحقيق أحلام الطائفة.
2 -انكفاء العلم الإمامي على نفسه وعدم مواكبته لمتطلبات العصر.
3 -انحطاط مكانة العلم والعلماء بين عامة الناس وخواصهم.
4 -بُعد المدارس الدينية الشيعية الكبرى التي يتطلب شدُّ الرحال إليها والتحصيلُ العلمي منها مبالغَ مالية كبيرة، وهو ما لم يكن في مستطاع الكثير من الناس وقتها.