ثانيًا: الثابت عن أهل التفسير في تأويل قوله تعالى: {ولذلك خلقهم} هو بخلاف ما زعم القرضاوي وحاول أن يثبته عنهم، وتتلخص أقوال أهل التفسير في قولين:
أ- أن قوله تعالى: {ولذلك خلقهم} عائد إلى المؤمنين المستثنين من الاختلاف في قوله تعالى: {إلا من رحم ربك} ، فيكون التأويل: أن الله تعالى خلق المؤمنين - الفرقة الناجية المرحومة - ليرحمهم بالاعتصام والجماعة، وهدايتهم إلى عبادته وتوحيده بخلاف بقية الفرقة الضالة، وهذا هو الراجح من أقوالهم.
ب - أن قوله تعالى: {ولذلك خلقهم} عائد إلى قوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين} ، وهم المغضوب عليهم من اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم من أهل الكفر والضلال، ويكون التأويل: أن الله تعالى خلق المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الأهواء والضلال ليعذبهم في الدنيا - بسبب الإعراض والانحراف عن التوحيد - بالاختلاف وإغراء العداوة والبغضاء والفرقة فيما بينهم، إضافة إلى ما ينتظرهم من العذاب الأليم يوم القيامة.
وإليك ما قاله أهل التفسير:
قال ابن كثير في التفسير: قوله {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، وقال عكرمة: مختلفين في الهدى. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخّر بعضهم بعضًا. والمشهور الصحيح الأول.
وقوله: {إلا من رحم ربك} أي إلا المرحومين المؤمنين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أُمروا به من الدين أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى بعث خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية المرحومة.
قال عطاء: {ولا يزالون مختلفين} يعني اليهود والنصارى والمجوس، {إلا من رحم ربك} يعني الحنيفية.
وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم.
وقوله {ولذلك خلقهم} قال الحسن البصر في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم [1] .
وقال مكي بن أبي طلحة عن ابن عباس: خلقهم فريقين كقوله {فمنهم شقي وسعيد} ، وقيل للرحمة خلقهم،
قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثرا. فقال طاوس اختلفتما وأكثرتما، فقال أحد الرجلين لذلك خُلقنا، فقال طاوس: كذبت، فقال أليس الله يقول: ولا يزالون
(1) قوله رحمه الله"وللاختلاف خلقهم"ينبغي أن يُحمل على وجهين: أولهما أنه يريد بالاختلاف اختلاف الناس في الرزق ومستوى المعيشة يسخّر بعضهم بعضًا، كما تقدم في رواية عنه تأويله لقوله تعالى: {ولا يزالون مختلفين} ، وهو قول مرجوح كما قال عنه ابن كثير أن المشهور الصحيح خلافه. ثانيًا، أنه يريد بقوله"وللاختلاف خلقهم"أهل الكفر والشرك والضلال دون أهل الهدى والإيمان، كما هو ثابت عنه في الرواية الأخرى في تأويله وتفسيره للآية، وسيمر معك قوله أيها القارئ.