أما الزوايا فواحدتها زاوية وهي ركن الدار، ثمّ أصبحت تطلق على الدار الصغيرة التي تتسع لأشخاص قليلين ينقطعون في الغالب للعبادة وهي أصغر من الرباط، وربما كانت جزءًا منها حيث كانت تعدّ لإقامة بعض الصوفية والفقراء والأيتام وغيرهم [1] .
وقد انتشرت الزوايا مع انتشار التصوف واتساع نطاقه، وخاصّة في عصر المماليك في مصر حيث عدّ المقريزي ستةً وعشرين زاوية في القاهرة وحدها كانت جميعها دوُر علم وعبادة [2] .
فالمؤسسات الثلاث - الخوانق، والربط، والزوايا - تتشابه في معانيها ووظائفها حتى أنّ الأمر قد اختلط على كثير ممن كتب عنها ولم يستطيعوا ... التفرقة بين مدلول كلّ واحدة منها لدرجة جعلت المقريزي وهو يعرف كلّ نوع في موضعه، لم يباعد عن معنى واحد، وهو أنها كانت جميعًا - بيت الصوفية ومنزلهم - [3] .
وقد زودت كل من الخوانق والربط الزوايا بما يحتاجه المقيمون بها، ورتبت من أجل ذلك الكثير من الوظائف، حتى أنه وقّفت بداخل هذه الدور مجموعات من الكتب التي شكلت مكتبات جامعة يرجع إليها الطلبة عند الحاجة [4] .
2 -الاهتمام بأبناء السبيل والمنقطعين:
نال هؤلاء نصيبهم من اهتمام الواقفين في الحضارة الإسلامية حيث اجتهد المحسنون في تلمس حاجات أبناء السبيل وخاصّة المنقطعين منهم، الذين منعتهم ظروفهم المعيشية من الرجوع إلى بلادهم، ويبرز أمثال هؤلاء في الأغلب بمكة والمدينة حيث انقطع الزاد والراحلة عن بعض القادمين إليها بغرض الحج والزيارة مثال ذلك ما حدث سنة 714 هـ (1323 م) عندما أوقف السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون سهمًا من أوقافه على المنقطعين بمكة والمدينة، وتجهيزهم إلى أوطانهم [5] .
3 -رعاية الأيتام:
نال هؤلاء نصيبهم المحدد لهم من ثروات الأغنياء والموسرين عن طريق الوقف. وخاصة الأيتام منهم، أو من فقد عائلة، فقد حرص كثير من أهل الخير على وقف الأوقاف الدارّة على الأيتام وكسوتهم. ومن ذلك ما نصت عليه وثيقة من حجج الأوقاف ترجع إلى عصر سلاطين المماليك بالقاهرة من أن"يلبس كل من الأيتام المذكورين في فصل الصيف قميصًا ولباسًا وقبعًا، ونعلًا في رجليه، وفي الشتاء مثل ذلك، ويزداد في الشتاء جبّة محشوة بالقطن" [6] .
كما أنّ هناك من الواقفين من يحرص على إنشاء المكاتب الخاصة لتعليم أبناء الأيتام الذين فقدوا عائلهم، أو الأطفال غير القادرين من أبناء المسلمين من الفقراء الذين لم يكن في وسع ذويهم إرسالهم إلى الكتاتيب التي تعلم بأجرٍ، أو إحضار
(1) عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، ط 8، القاهرة، دار الفكر العربي (1968 م) ، (صـ 105) .
(2) الخطط، 2/ 430 - 436.
(3) المصدر نفسه، 2/ 414، 427، 430.
(4) يحيى بن محمود: الوقف وبنية المكتبة العربية، (صـ 107 - 113) ، وقد كتب عن مكتبات الخوانق والربط بصورة مفصلة، وعدّ كثيرًا منها.
(5) ابن حبيب: الحسن بن عمر (ت:779 هـ/ 1377 م) تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق/ محمد محمد أمين، القاهرة، دار الكتب المصرية، (1976 م) ، ج 2، (صـ 357 - 358) .
(6) يحيى بن جنيد: الوقف والمجتمع (صـ 55 - 56) .