أدى الوقف للمجتمع الإسلامي في عهد النبوة والخلافة الراشدة وظيفته كاملة بسدّ حاجة المجتمع في تلك الفترة سواء في مجال الصدقة على الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، والمحتاجين، وما يتطلبه الجهاد في سبيل الله من العدة والعتاد من السلاح والكراع.
اتسعت دائرة الوقف ومجالاته عندما أخذ المسلمون بأساليب الحضارة على أسس من دينهم، وقيمهم، إذ تطور المجتمع، وتنوعت احتياجاته، وتعددت مرافقه ومؤسساته، متحريّن مقاصد الشريعة الغراء.
واكب هذا الانفتاح الحضاري انفتاحًا في الفهم، وتوسعًا في المضمون في معظم الاتجاهات المعيشية، لا جرم أن الوقف كان مشمولًا بهذا التوجه الحضاري، بل كان أحد أهم الروافد التي حثَّت هذا التقدم، وغذَّت سيره.
سأل سحنون الإمام عبد الرحمن بن القاسم:
"أرأيت إذا حبس في سبيل الله فأي سبل الله؟"
قال: قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكن من حبس في سبيل الله شيئًا فإنما هو في الغزو.
قال سحنون: قال ابن وهب قال يونس: قال ربيعة: كل ماجعل صدقة حبس، أو حبس ولم يسم صدقة فهو كله صدقة تنفذ في مواضع الصدقة، وعلى وجه ما ينتفع بذلك فيه، فإن كانت دواب ففي الجهاد، وإن كانت غلة أموال فعلى منزلة ما يرى الوالي من وجوه الصدقة" [1] ."
هذا المعنى الواعي الشامل لكلمة (في سبيل الله) وجَّه الفقهاء إلى سعة المعنى والمدلول تطبيقًا عمليًا في جميع الاتجاهات، والآفاق التي يثبت نفعها
(1) ... المدونة، (بيروت: دار الفكر، عام 1389/ 1978) ، ج 4، ص 341.