من وقف غلة داره، أو أرضه على مسجد، أو على الفقراء يلزمه التصدق بغلة الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة، ولا خلاف أيضًا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به حكم الحاكم، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال:
إذا مت فقد جعلت داري، أو أرضي وقفًا على كذا، أو قال: هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي، كما في البدائع". [1] وأخيرًا يحدد العلامة التهانوي محل النزاع بين الإمام أبي حنيفة رحمه الله والجمهور قائلًا:"
"والنزاع إنما هو في وقف لم يتصدق الواقف بأصله بل حبس أصله وتصدق بثمرته و منفعته على نفسه، أو ولده وولد ولده، وعلى الفقراء بعدهم، أو تصدق به على الفقراء ابتداء، ولم يضفه إلى ما بعد الموت، ولم يصرح بكونه وقفًا مؤبدًا، ولا حكم حاكم بصحته، فهذا لا يكون لازمًا عند أبي حنيفة رحمه الله حتى كان للواقف بيعه وهبته، وإذا مات يصير ميراثًا ..."
وهذا صريح في أن أبا حنيفة إنما كان يذهب في الوقف إلى ما كان عليه فقهاء بلاده، وينكر ما أنكروه، فكان يجيز ما كان منه صدقه على الفقراء ابتداء وانتهاء، وينكر ما كان وقفًا على الولد، وولد الولد، ولا يرجع آخره صدقة على الفقراء ...". [2] "
من خلال هذا التحرير المفيد لموقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله من الوقف يتضح أن الوقف على مرفق عام، أو مصلحة عامة هو محل اتفاق لا يخالف في هذا أحد من فقهاء المسلمين بعد أن انتشرت السنة النبوية المطهرة في الأمصار الإسلامية، وأصبحت معلومة لدى القاصي والداني، وإن كان ثَمتَ خلاف فهو في
(1) ... إعلاء السنن، الطبعة الأولى، (تحقيق حازم القاضي،(بيروت: دار الكتب العلمية، عام 1418/ 1997) ، ج 13، 116.
(2) ... التهانوي، إعلاء السنن، ج 13 ص 116،117.