لا سبيل إليه إلا بتجميد طائفة من الأموال والعقار، لتكون مراكز للعلم والثقافة، وينفق عليها عوضًا عن أن تستغل، لأن المحذور الاقتصادي في تجميدها، يقابله نفعٌ أعظم منه في الأغراض العامة التي تجمد، أو تنفق الأموال في سبيلها.
ب- المحذور الثاني يرد مثله في أعمال الدولة وعمالها، وفي الوصاية على الأيتام. فكلٌّ من عمال الدولة، وكذا الأوصياء، لا يعملون لمصلحةٍ شخصية، تحفزهم على الإتقان والإصلاح. والقائمون على إدارة أملاك الدولة ليس لهم في حسن إدارتها وإصلاحها منفعة شخصية مادية، تنقص بتقصيرهم وتزداد بعنايتهم. ومع ذلك لا يصح الاستغناء عن أن تقني الدولة أملاكًا، وتوظف في أعمالها المالية وغيرها عمالًا، وكذا لا يستغني عن نصبِ الأوصياء. ولكن يجب حُسْنُ الانتقاء في هؤلاء جميعًا، بحيث ينتخب للعمل القويُّ الأمين الذي يشعر ضميره بالواجب والتبعة. ومن وراءِ ذلك إشرافٌ وحسابٌ وقضاء. وهذا ما أوجبه الشرع في إدارة شؤون الأوقاف ومن يتولّونها.
جـ- المحذور الثالث فيقال مثله في الميراث فإن كثيرًا ممن يرِثُون أموالًا جمَّة، يتواكلون عن الأعمال التي أفاد بها مورثوهم ما خلَّفوه لهم من ثروة، وينصرفون إلى الصرف والتبذير، عن الجد المنتج والتوفير، ولم يصلح هذا سببًا لعدم الإرث. ولو لم يكن المال الموقوف وقفًا، لأصبح إرثًا وداهمنا فيه المحذورُ نفسه.
وقد رأينا أن نظام الوقف في الإسلام له في الواقع من المنافع العلمية والخيرية ما يجلُّ عن التقدير. وليست الكلمة للاقتصاد وحده، بل هناك مصالح عامة أخرى غير مادية، لها شأن كبير في الوزن التشريعي. ونظرًا لموافقتي واستحساني آراء الأستاذ الزرقا والاكتفاء بها فقد نقلت معظمها بتصرف يسير.