فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 768

فإذا كان هؤلاء الصفوة من البشر قد أوقفوا الأوقاف العظيمة في ساعة العسر واليسر، فما بال أغنياء الأمة في عصرنا قد أعرضوا عن هذا الهدي الكريم، وسأقول ما قاله الصحابي الجليل أبو هريرة عندما أعرض بعض الصحابة عن الإذن للجار بغرز خشبه في جداره"مالي أراكم عنها معرضين! والله لأرمين بها بين أكتافكم"متفق عليه. [1]

إن الأوقاف الشرعية في شتى أصنافها كانت رافدًا عظيمًا لاستمرار حركة العلم والتعليم، من عهد الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاضر وعبر العصور الإسلامية، ومن أشهر الجامعات الإسلامية القائمة على الوقف قديمًا الأزهر الشريف، والزيتونة، والنظامية، والجوزية، ومن آخرها الفلاح و الصولتية. وغير ذلك في عصرنا الحاضر، ويكفي الناظر كتاب"الدارس في أخبار المدارس"للإمام النعيمي ليدرك ضخامة المدارس الإسلامية في العصر المملوكي، والأوقاف التي يكون ريعها لتلك المدارس، وما يصرف على العلماء وطلبة العلم من غلاتها، ومن اطلع على بعض الصكوك التي وصلت إلى عصرنا الحاضر - وبخاصة العصر المملوكي - يجد أن الأوقاف الشرعية لم تكن حصرًا على المدارس والجوامع، بل كانت تشمل أنواع احتياجات المجتمع الإسلامي في ذلك العصر. بل ذكر أهل التاريخ أن هنالك وزارة للأحباس في بعض العصور الماضية في المغرب الإسلامي تشرف على الأنشطة الوقفية في تلك العصور حتى شملت الأوقاف على الموتى، وعلى أهل الذمة وغيرهم من مواطني الدولة الإسلامية في عصرهم.

ولا يسع المتأمل لمسيرة الوقف الإسلامي عبر العصور الإسلامية إلا أن يجلَّ هؤلاء الكرام، ويدعو لهم بالرحمات وقبول تلك الصدقات، ويندب أغنياء الأمة في

(1) البخاري مع الفتح 5/ 79، مسلم: رقم (1609) أبو داود (3634) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت