فاعتبر الشافعي ~ أن المبيت كله في حكم النُّسك الواحد.
وذهب أبو حنيفة وأحمد في مشهور مذهبه إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنه وإن ترك واجبًا إلا أنه قد تمَّ حجه , وقضى تَفَثَه , وحلَّ له كل ما كان يحرم عليه , وهذا إجماع؛ فبناءً على هذا يلزمه أن يستغفر الله تعالى , وأن يتوب إليه؛ لأنه ترك أمرًا واجبًا.
وينبغي على العبد أن لا يستهين بمثل هذه الأعمال والطاعات التي أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقتدي به فيها.
فأنا أعتبر أن قول أحمد وأبي حنيفة أشد الأقوال؛ لأن الواجب إن كان يُجبر بدم , فسوف يُجبر بدم وانتهى الأمر , لكن إن كان يَلزمُ فيه الاستغفار , فأنت لا تعلم هل غُفِرَ لك أم لا.
وكذلك القول في رَمْيِ الجمرات.
لكن اعلم أنهم ذهبوا إلى أن العبد إن تَرَكَ رَمْيَ الجمرات في اليوم الأول , قَضَى في اليوم الثاني. وإن ترك في اليوم الثاني , قَضَى في اليوم الثالث عن الأول والثاني والثالث , وَلْيَبدأْ بالأول ثم الثاني ثم الثالث.
واختلفوا في الذي يَلزمه:
هل يلزمه دم , أو إطعام , أو كذا ..
نفس الخلاف الموجود في مسألة المبيت بمنى.
مَن أراد أن يتعجل في يومين فعليه أن ينصرفَ من"منىً"قبل غروب شمس اليوم التالي من أيام التشريق. فإن غَربت عليه الشمس , وَجَبَ عليه أن يبيتَ اليوم الثالث أيضًا , وأن ينتظرَ حتى تزول الشمس ليرميَ الجمار , ولا يبقى عليه بعد ذلك إلا طواف الوداع.
طواف الوداع
طواف الوداع واجب في مذهب جمهور العلماء.
وسنة في مذهب الإمام مالك.
والصواب أن مذهب الجمهور القائل بالإيجاب هو الصحيح؛ لأن طواف الوداع ورد بصيغة الأمر؛ فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ [1] .
(1) - أخرجه مسلم (3283) باب وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ ... وأبو داود (2004) . وابن ماجة (3070) . وأحمد (1936) .