الصفحة 62 من 703

قال أبو محمد: اختلف الناس فيمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نبيًا من الأنبياء ممن يقول أنه مسلم [1] فقالت طائفة: ليس ذلك كفرًا. وقالت طائفة: هو كفر. وتوقف آخرون في ذلك. أما التوقف فهو قول أصحابنا. وأما من قال: إنه ليس كفرًا فإننا روينا بإسناد غاب عنا مكانه من روايتنا إلا أن علىَّ بن أبي طالب قال: لا أوتيَ رجل قذف داود - عليه السلام - بالزنا إلا جلدته حدَّيْن. وأما من قال: إنه كفر، فأباح دمه بذلك، فعبد الله بن الربيع قال: أخبرنا محمد بن معاوية قال: أخبرنا أحمد بن شعيب [2] أخبرنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مُرَّة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي بَرْزَة قال: تغيَّطَ أبو بكر على رجل، فقلت: من هو يا خليفة رسول الله؟ قال: لِمَ؟ قلت له: لأضرب عنقه إن أمرتني بذلك. قال: أَوَكُنتَ فاعلًا؟ قال: قلت: نعم. قال: فذكرت كلمة معناها لأُذهب بعظم كلمتي التي قلت غضبه، ثم قال: ما كانت لأحد بعد رسول الله [3] - صلى الله عليه وسلم -. أهـ.

وهذا الحديث الذي ذكره ابن حزم يُفهمُ منه أن من أغضب أو سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، قُتِلَ، فهذه هي كيفية استدلال ابن حزم، وحيث أنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ [4] . فدل ذلك على أن هذا الرجل طالما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحل قتله، أنه يكون بذلك تاركًا لدينه مفارقًا للجماعة.

لكن على كل حال: شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أَوْرَدَ كلامًا كثيرًا في كتابه الصارم المسلول ليؤصِّلَ هذا الأصل: أن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر حلال الدم، إلا أننا ملزمون أن نقرأ بقيه كلام ابن حزم حتى يكتمل البحث إن شاء الله.

(1) - انتبه: هذا الاختلاف هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام - رحمه الله - ثم بيَّن أن هذه مقالة الجهمية الإناث والأشعرية، سيذكر ابن حزم نفس الكلام هنا إن شاء الله.

(2) - أحمد بن شعيب هو الإمام النسائي.

(3) - المحلى (2/ 114) المسألة رقم 2308. طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

(4) - أخرجه البخاري (6484) في كتاب الدِّيات، باب: قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ... } [المائدة: 45] . ومسلم (4468) في كتاب الْقَسَامَةِ، باب: باب مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ. وأبو داود (4354) في كتاب الحدود، باب: الْحُكْمِ فِيمَنِ ارْتَدَّ. والترمذي (1402) في كتاب الدِّيات، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. والنَّسائي (4721) في كتاب القسامة، باب: القود. وابن ماجة (2533) لكن من حديث عثمان بن عفان , وأحمد (3621، 4065) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت