مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: 89] ، لأن قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] ، مبيِّن معنى قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} ، وقوله: ... {كَفَرُوا بِهِ} مبيِّن معنى قوله: { (( (( (( (( (( (( (عَلَى أَدْبَارِهِمْ} .
وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين، وقد بيَّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن سبب ارتداد هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم كما قال تعالى مشيرًا إلى علة ذلك: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} أي: زين لهم الكفر والارتداد عن الدين، {وَأَمْلَى لَهُمْ} أي: مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر ...
وإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبيَّن لهم الهدى؛ وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك أي سهَّله لهم وزيَّنه لهم وحسَّنه لهم ومنَّاهم بطول الأعمار؛ لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي [1] ...
ثم قال: أي: ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم: {قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} .
وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزَّل الله وكرهه أولئك المطاعون.
والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نَزَّل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:27 - 28] ...
وقوله: {وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله [2] .
(1) - أضواء البيان (7/ 584) .
(2) - قال الشيخ: أخذنا قبل ذلك أن لو رجلًا قال:"أشهد أن هذا القرآن كتاب الله المعظم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"وجعل يَطَأه بِنَعله، أن هذا الرجل كافر بالله تعالى. ومن قال: أشهد أنك رسول الله - صلى الله عليك وسلم - ثم طعنه في بطنه بالسكين، أليس هذا إجماعًا؟ وسيأتي كلام ابن حزم حالًا إن شاء الله.