الصفحة 260 من 703

التفات إلى ما في القلب؛ لأنه لا سبيل إلى الاطلاع إلى ما فيه؛ ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن أحكام الشرع تجري على الظاهر.

فمن قال لزوجه: أنتِ طالق، كانت طالقًا، ولا يُنظر إلى نيته أبدًا، دعنا من الطلاق المُعلَّق على شرط (أنتِ طالق إن فعلتِ كذا) - الذي خالف فيه شيخ الإسلام عامة أهل العلم - لكن، هذه الصورة: من قال لزوجه: أنتِ طالق في طُهر لم يمسَّها فيه، هل يُنظر إلى قصده في هذه الحالة؟ لا يُنظر إلى قصده.

من قال للبائع: بعني هذه السلعة بكذا، قال: بعتُكها، ينعقد البيع أم لا ينعقد؟ ينعقد، وليس لنا أن ننظر إلى ما في القلوب؛ لأن الله - عز وجل - رتَّب أحكامًا شرعية على هذه الأقوال بمجردها وهذا هو الذي فَصَّله أبو محمد بن حزم ~ وأثنى عليه غاية الثناء شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا مبحث هام ينبغي أن نقرأه بالتفصيل في كتاب"الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل"لابن حزم، أن الأحكام تجري على الظاهر.

فلم يكن ينبغي أبدًا أن يعدل أسامة بن زيد عن هذا الظاهر الذي ظهر له، ورتَّب الله - عز وجل - عليه أحكامًا شرعية إلى أمر باطن؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة ما في الباطن، وإنما هو ظَنٌ مجرد، والله - عز وجل - يقول: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] [1] .

يقول الشيخ:

إذن: الكفر الاعتقادي ليس له علاقة أساسية بمجرد العمل ...

(1) - المحقق: سُل الشيخ في آخر الشريط الـ (18) بعد ساعة و 12 دقيقة و 8 ثواني هذا السؤال: إذا كان أسامة بن زيد - رضي الله عنه - مخطئًا في قتل هذا الرجل بعد أن نطق الشهادتين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم له بالإسلام، فلماذا لم يُلزم أسامة بن زيد بالدية؟

فقال: أولا: أقول لك قولين. القول الأول: ما ذهب إليه بعض أهل العلم أن من قتل مسلمًا متأولًا أنه كفر، لا يُلزم بالدية في هذه الحالة، ولا دليل على ذلك هذا الحديث، وحديث جرير البَجَلِيّ - رضي الله عنه - عند أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ - قَالَ - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ - أي: بنصف الدية - وَقَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا (1) . فقضى لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصف العقل.

والطريقة الثانية عند أهل العلم: من قال أن أسامة بن زيد لم يَدِ هذا الرجل؛ أحكام الشريعة كما بيَّنتُ سابقًا لا تؤخذ من نص واحد، وإنما تُحمل النصوص على بعضها البعض وِفقًا للقواعد المعمول بها عند أهل العلم. فليس معنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أسامة في هذا الموضع بأن يَدِيَ الرجل، أنه لم يَدِ الرجل في نفس الأمر؛ لأن القواعد دلَّت على أن من قتل مسلمًا خطئًا أن الدية على العاقلة.

ـــــــــــــــــــــ

1 -صحيح: أخرجه أبو داود (2647) في كتاب الجهاد، باب: النَّهْىِ عَنْ قَتْلِ مَنِ اعْتَصَمَ بِالسُّجُودِ. والترمذي (1604) في السير، باب: ما جاء في كراهية المقام بن أظهر المشركين. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت