وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: 47] . وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ظالم، فاسق؛ لأن الله - تعالى- وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال- تعالى-: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] . وقال - تعالى-: {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] . فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي والله أعلم.
فنقول:
-من لم يحكم بما أنزل الله استخفافًا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق؛ إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه.
-ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به، ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق، وإنما حكم بغيره تسلطًا على المحكوم عليه، أو انتقامًا منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر، وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم.
(( قال مقيده ) ):
وهنا أريد أن أُبدي ملاحظة؛ تمكننا من فهم الفارق بين الاثنين، وهذه الملاحظة كنتُ قد أبديتُها سابقًا، وقد ظنَّ بعض المخابيل أنني آتي بهذا الكلام من عند نفسي، لكنني سآتي بهذا الكلام في مواضعه إن شاء الله - عز وجل - نقلًا عن علمائنا المعاصرين كالشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ ابن عثيمين واللجنة الدائمة ... أردتُ فقط أن أبيَّنَ أمرًا؛ ليتضحَ لكَ الكلام:
هناك فارق بين إنسان يقول: الحكم عندي لله - عز وجل -، فلو ثبتت جريمة الزنا، رَجَمَ إن كان الزاني محصنًا، أو جَلَدَ إن كان الزاني غير مُحْصَن. وإن ثبتت جريمة السَّرقة، قطع. وإن ثبتت جريمةُ الرِّدة، قتل. وإن ثبتت جريمة القتل، إما القصاص وإما الدية وإما العفو ... وهكذا.