الصفحة 7 من 38

تحتل القرائن في العصر الحاضر منزلة متميزة عما كان لها في الماضي، يوم أن كان ينظر إليها على أنها لا تصلح للاستدلال: لا بسبب تطرق الاحتمال إلى دلالتها، فحسب، ولكن لأنها كذلك ليست من الأدلة الجديرة بالاعتبار، والتي يحق أن تبنى عليها الأحكام.

غير أن هذه النظرة الظالمة تبدلت، فاعترف القضاء بأن القرائن لا تومئ إلى الأمر المستهدف من الإثبات، فحسب، وإنما إذا توافرت لها مقوماتها، فإنها تصلح لأن تكون دليلا قائما بذاته، يغني عن سواها من الأدلة الأخرى.

ثم تطور الأمر لصالح القرائن، فاشتد التمسك بها، وكان من دوافع ذلك ما ران على الذمم من فساد، وما ابتليت به الشعوب من ضعف في الوازع الديني، مما أصاب الأدلة التقليدية المباشرة في مقتل، فأفقدها الكثير من صدق الواقع، وألبس الإقرارات وأقوال الشهود ثوب الكذب والخديعة في حالات عديدة، ونزع عن الحلف هيبته، فأصبح الحالفون لا يبالون بجرم اليمين الغموس في الدنيا ولا في الآخرة.

وقد واكب ذلك ما تحقق من طفرات علمية، كانت سلاحا ذا حدين: منحت بأحد الحدين للجناة الوسيلة التي تتيح لهم الهروب من العدالة، ومنحت بالحد الثاني للحاكم المكنة في التعرف على العصاة وتتبعهم وإنزال القصاص العادل بهم.

ومن ثم فقد أصبحت دراسة القرائن أمرا تستوجبه التطورات الاجتماعية والنفسية والأمنية، كما أصبحت ضرورة لمجابهة متطلبات العصر ومستحدثاته، فالقرائن لا يمكن الاستغناء عنها في إثبات الوقائع المادية التي تمثل جانبًا هامًا ومؤثرا في الدعاوى القضائية، سواء أكانت وقائع طبيعية مجردة، كمرور الزمن والحريق، أم كانت من فعل الجماد أو النبات أو الحيوان كالجوار ونضوج الثمر وإنتاج الماشية، أم كانت وقائع مادية تتداخل فيها الإدارة البشرية على نحو أخر كالأعمال غير المشروعة والجرائم الجنائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت