…وقد ذكر ابن أبي الدم (1) عددًا من مطالب العلم الشرعي الذي تأسست عليه معارف القضاة السابقين، ولكنه عقّب على ذكرها بقوله: (والذي أراه بعد هذا كله أن الاجتهاد المطلق أو المقيد إنما كان يُشترط في الزمن الأول الذي ما يَعْرَى فيه كل أقليم عن جماعة من المجتهدين الصالحين للقضاء والفتوى، فأما في زماننا هذا، وقد خلت الدنيا منهم، وشغر الزمان عنهم، فلا بد من جزم القول، والقطع بصحة تولية من اتصف بصفة العلم في مذهب إمام من الأئمة، وهو أن يكون عارفًا بغالب مذهبه ومنصوصاته وأقواله المخرجة له، وأقاويل أصحابه، عالما بذلك، جيّد الذهن، سليم الفطنة، صحيح الفكر والفطرة، حافظًا للمذهب، صوابُه أكثر من خطئه، مستحضرًا لما قاله أئمته، قادرًا على استخراج المعاني المفهومة من الألفاظ المنقولة. عارفًا بطرق النظر، وترجيح الأدلة، قيَّاسًا، فهِمًا، فطنًا، قاردًا على معرفة الأدلة ووضعها وترتيبها، وإقامتها على الأحكام المختلف فيه، متمكنًا من ترجيح الأدلة، بعضها على بعض) . (2)
…وعليه؛ فإن بناء شخصية القاضي تتطلب تزويده بالعلم الشرعي، وتكثيف ما يتعلق بمهامه القضائية منها.
…ويتطلب البناء أيضا تزويده بالقيم الدينية والإنسانية، ومعارف وقيم العصر الذي يعيش فيه، لما لها من أثر في توعية فكره، ونضوجه، وتوجيهه نحو التحلي بمبادئ الحق في السلوك الباطن والظاهر. وهي من الحاجات التي تتطلبها شخصية القاضي كغيره من البشر، بل هو أحوج لهذا الجانب عن غيره.
(1) هو القاضي شهاب الدين أبي إسحاق ابراهيم بن عبد الله، المعروف بابن الدم الحموي الشافعي، المتوفى سنة 642هـ.
(2) كتاب أدب القضاء، وهو الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات، للقاضي شهاب الدين أبي إسحاق، المعروف بابن أبي الدم. ص: (80، 81) . تحقيق: محمد مصطفى الزحيلي، دار الفكر، دمشق.