إن المصطلحات على الأشياء عند الناس فيها جناية على بعض الحقائق ، ولهذه الجناية قصة طويلة في كل فن ولغة ، وفي كل أدب ودين ؛ لأنها تولّد كائنًا آخر ، تنشأ عنه الشبهات ، وتطمس من دونه المسميات ، وتشتد حوله الخصومات ، وتتكون فيه المذاهب ، وتستخدم لها الحجج والدلائل ، ويحمى فيها وطيس الكلام والخصام والجدال ، فلو عدلنا عن هذه المصطلحات المحدثة أو المستوردة ، وعن هذه الأسماء العرفية ، ورجعنا إلى الحقائق اللغوية والشرعية ، وعدنا إلى الماضي وإلى الكلمات التي يعبر بها الناس عن هذه الحقائق في سهولة ويسر ، وإلى ما كان ينطق به رجال العهد الأول والسلف الأقدمون لانحلت العقدة في موضوعنا وهان الخطب فيما بيننا ، واصطلح الناس على ما فيه جمع كلمتهم ووحدة صفهم (1) .
ومصطلحات القضاء الشرعي هي امتداد في الغالب لما اشتهر بين الفقهاء والقضاة وسائر العلماء بعد مراحل تدوين الفقه الإسلامي .
وإن ما يميّز شريعتنا الغراء أنها شريعة نصوص ثابتة ومستخرجة مستنبطة ، فهي بالتالي تكوّن في مجموعها مصادر التشريع الإسلامي المعتبر .
وهذه النصوص نحن ملزمون بالتقيّد بها قولًا وعملًا ، ومن هنا تأتي أهمية المصطلح في القضاء الشرعي المبثوث في ثنايا تلك النصوص ؛ إذ لا يسع المكلف العدول عنه ، وتأتي أهمية المصطلح في القضاء الشرعي أيضًا من باب ما يترتب على المصطلح من مفاهيم وأحكام ، ولذا فهو يصاغ بدقة متناهية في اللفظ .
ولذلك أشارت السنة النبوية المطهرة إلى هذا المفهوم من خلال الحديث الذي يرويه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - حين ولاّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: (( إن الناس سيتقاضون إليك ، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضينّ لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء وتعلم لمن الحق ) ) (2) .
(1) أنظر: ربانية لا رهبانية: 10 ( بتصرف ) .
(2) صحيح ابن حبان: 11 / 451 .