من أوائل الذين أدركوا حاجة المصطلح في القضاء الشرعي وأهميته ابن المقفع الذي أشار على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أن يوحد ما يقضى به بين الناس في قانون يدونه ويختاره من آراء القضاة المجتهدين والفقهاء في ذلك العصر بعد تمحيصها والترجيح بينها .
فبيَّن ابن المقفع في رسالته المسماة: ( رسالة الصحابة ) (1) حال اختلاف القضاة المجتهدين ، وكيف إن الأمر الواحد يقضي فيه أحد القضاة المجتهدين برأي ، ويقضي غيره في نظيره بخلافه ، في الأموال والأنكحة وغيرها . وقال في رسالته: (( فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسنن المختلفة ، فترفع إليه في كتاب ، ويرفع ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك ، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه ، وينهى عن القضاء بخلافه ، وكتب بذلك كتابًا جامعًا عزمًا ، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكمًا واحدًا صوابًا" ) ) (2) ."
وقد أراد أبو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد أن يختار مذهب الأمام مالك - رحمه الله - وكتابه: ( الموطأ ) جمع فيه أحاديث مرسلة ومتصلة وفتاوي الصحابة وأقضيتهم وأقوال التابعين وآراءه الفقهية قياسًا على الآثار قانوناَ قضائيًا للدولة العباسية فنهاهما الإمام مالك - رحمه الله - من ذلك وقال: (( إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان ، وكل مصيب ) ) (3) ، وقد كان الإمام مالك محقًا في هذا الرأي ؛ ولكن رأي ابن المقفع كان تأسيسًا لفكرة دولة القانون ، وهو المصطلح الذي يجرى الحديث عنه في الأدبيات السياسية والقانونية المعاصرة ، واستند في رسالته على فكرة الاستفادة من ثمرات اختلاف الاجتهادات .
(1) الرسالة منشورة في كتاب: ( جمهرة رسائل العرب ) للأستاذ أحمد زكي صفوة ، برقم ( 26 ) : 3 .
(2) المصدر السابق .
(3) المدخل الفقهي العام: 1 / 178 .