الصفحة 16 من 22

ومن المقرر عند الفقهاء أن رأي الإمام يكون مرجحا لقول من الأقوال عند اختلاف العلماء (1) ، فقد أمر الله - عز وجل - بالامتثال لقول ولي الأمر في قوله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } (من الآية 59 النساء) . وقد قعد العلماء قاعدة:"أمر الإمام يرفع الخلاف"، وقاعدة:"حكم الحاكم يرفع الخلاف"، وإن كان هناك فارق كبير بين القاعدتين: فحكم الحاكم يرفع الخلاف في القضية المعينة فقط، ولا يرفعه فيما شابهها من القضايا، بينما أمر الإمام يرفع الخلاف في كل القضايا المتشابهة، مهما اختلف الزمان والمكان في دار الإسلام. فمثلًا إذا قتل مسلم ذميًا في دار الإسلام، وقضى قاض بالدية لا بالقود؛ لأنه يرى أن المسلم لا يقتل بالكافر، فإن حكمه هذا يرفع الخلاف في هذه القضية بالذات، وليس لأي قاض آخر، بعد النطق بالحكم، أن يقول هذا حكم باطل، بخلاف ما لو تكررت نفس الحادثة في زمان أو مكان مختلف، فله أن يحكم بالقود إذا كان يرى قتل المسلم بالكافر. فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، هذا معنى حكم الحاكم يرفع الخلاف. أما قاعدة أمر الإمام يرفع الخلاف ففي المسألة السابقة إذا أمر الإمام أن يقتل المسلم بالكافر فليس لحاكم أن يخالف هذا الأمر، وعليه أن ينفذه ولو خالف رأيه، ومهما تعددت الحوادث المتشابهة فإن ما أمر به الإمام واجب التنفيذ على الموافق والمخالف، وأن أمره يرفع الخلاف مطلقًا. أما حكم الحاكم أي قضاء القاضي، فيرفع الخلاف في القضية المعينة، ذلك بأن القضاة نواب للإمام ووكلاء له، فهم قضاة بإذنه، مقيدون بالتزام أوامره، فإذا رأى رأيا مرجحا عملوا به؛ والتقنين لا يخرج عن كونه أمرا من أوامر الإمام لمَّا أذن لمجموعة من العلماء أن يتخيروا من أقوال العلماء ما يتماشى وقواعد الشرع، ويناسب العصر، ويحقق للناس مصالحهم. وفي هذا يقول

(1) ابن عابدين: رد المحتار 1/55. والزرقا: المدخل الفقهي العام 1/191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت