الصفحة 5 من 25

ولعل هذا السبب هو الذي جعل ابن المقفع يطلب من أبي جعفر المنصور أن يجمع الناس على قضاء واحد بقوله: (( ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرًا عظيمًا في الدماء والفروج والأموال... فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يجمع به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله، ويعزم له عليه وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابًا جامعًا عزمًا لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكمًا واحدًا صوابًا... ) ).

ولعل هذا السبب أيضًا هو الذي جعل الخليفة المنصور يطلب من الإمام مالك أن يضع كتابًا جامعًا يختار أحكامه من أدلة الشرع مع مراعاة التيسير بقوله (( يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتابًا وتجنب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ عبد الله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله عنهم لتحمل الناس ان شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ولا يقضوا بسواها.. ) ) (1) .

ثالثًا: حماية القضاة:

القضاة بشر ليسوا معصومين ويخضعون كغيرهم لعوامل المؤثرات الشخصية والاجتماعية والضغوطات الخارجية من أرباب المال والسلطان لكي يسير الحكم في قضية ما في اتجاه معين.

وتقنين الأحكام الشرعية وعدم ترك أمر القضاء لاختيار القضاة وإرادتهم يخلصهم من هذه المؤثرات، ويرفع عنهم الحرج، ولا يدع مجالًا للتدخل في السلطة القضائية.

(1) تقنين الفقه الإسلامي ص52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت