2 ـ العقول عرضة لأن تطغى عليها في تفكيرها وتقديرها الشهوات والأهواء والتأثر بالشخصيات والعنصريات والإقليميات ... الخ ، وكم رأينا قوانين وضعت على أساس الفكرة العقلية ، وقيل إنها وضعت لحفظ السلام ولصيانة حقوق الإنسان ، ولكنها لم تلبث أن تبين أن باعثها في الواقع لم يكن سوى تحقيق رغبة شخصية أو نزعة عنصرية ، أو أهداف عصبية ، غير أنها ألبست ـ تغريرا بالناس وخداعا لهم ـ ثوب المصلحة العامة .
3 ـ ولأن العقول محدودة الإدراك ، ليس في استطاعتها أن تكتنه كل مقتضيات الغد وحوادث المستقبل ، على حسب ما دبر العليم الخبير في خلقه .
وكم رأينا من قوانين تسن وتقام لسنها الحفلات ثم لا تلبث أن يظهر ضعفها ويتجلى قصورها ، فيسن غيرها ثم لا تلبث هذه أيضا حتى تصاب بما أصيب به سابقتها وهكذا دواليك .
وبذلك تظل الأمة حائرة بين تقنين وتقنين ، وتبديل وتبديل وتلك رجات تعوق ـ دون شك ـ عن السير في طريق التقدم والكمال .
4 ـ أضف إلى ذلك أيضا أن التشريعات والقوانين التي ينظمها العقل لا تصلح لإقامة نظام المجتمع على أساس من العدل لتأثر العقل بهوى صاحبه من ناحية ، ولافتقاد هذه التشريعات وتلكم القوانين إلى ما يسمى بعنصر الإلزام والاحترام الذاتي أو المراقبة الذاتية التي تجعل الناس يلتزمون بهذه القوانين دونما خوف أو عقاب . يتضح مما سبق أن الاكتفاء بالعقل في وضع قوانين المجتمع ، والاعتماد عليه في سن تشريعات تنظم حياة البشر إنما هو في الحقيقة ( اعتماد على شفا جرف هار ، اعتماد يؤدي بالعالم إلى الخراب والدمار ، وإذن . فلا بد من تلمس مدد آخر يملك على الإنسان بمصدره . باطنه وظاهره وخلوته قبل جلوته ) (1) .
(1) راجع من توجيهات الإسلام صـ 15 ، 16 .