هل يمكن أن يكون هذا القانون هو القانون الوضعي الخارج من الأرض والصادر عن عقول البشر أو بعضهم ؟
في الواقع إن هذا الفرض لا يغني من الحق شيئا ، ولا يستطيع أصحابه أن يصلوا به إلى الحكمة المقصودة من خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض يعمرها وينميها ، وينشر فيها روح الأمن والطمأنينة والاستقرار . وقد جربته الإنسانية حينا من الدهر ولا تزال تتقلب في جمره بين حرب
حامية تأكل الأخضر واليابس ، وتدمر الجهود التي تبذل في بناء الحضارات وإقامة المنشآت ، وبين حرب باردة تملأ القلوب خوفا وهلعا ، وهي في الحربين لا تعرف إنصاف مظلوم من ظالم ، ولا تترفع عن استعباد الضعفاء وسلب الحقوق والحريات ، وهي في الحربين لا تتسم روحا من نسمات الروحية الفاضة التي تعصم الإنسان من التبذل في نفسه ، وتقيه الارتكاس في حمأة الإباحية الضالة والمادية المظلمة (1) .
إن اعتماد أمم الحضارة اليوم على العقل في سن القوانين المنظمة لحياة البشر وجعله مقياسا للفضيلة والرذيلة ، واتخاذه معيارا يحدد الخير من الشر ، وتنصيبه قيما على حياة الناس بعيدا عن هدى السماء وقانونها اعتماد غير صحيح وأمر لا يمكننا قبوله لعدة أسباب منها: ـ
1 ـ إن العقول متفاوتة في إدراكها وحكمها على الأشياء وفي مقاييس الخير والشر ، فيستحسن بعضها مالا يستحسنه الآخر ، ويستقبح بعضها مالا يستقبحه الآخر ، وقد رأينا في عصرنا ألوانا للفكرة العقلية أوقعت الشعوب في الحيرة والاضطراب ، رأينا شيوعية ورأسمالية ، وديمقراطية وديكتاتورية ... إلى غير ذلك من أنواع البرق ذي الألوان الخاطفة ، وكلها يلبس الحق بالباطل ويحاول أن يغتصب ما استطاع أن يغتصب .
(1) 2 ـ من توجيهات الإسلام . الشيخ شلتوت صـ 14 .