لا يتسع المجال هنا لتعداد خصائص العقوبات في الشريعة الإسلامية فالحديث عنها واسع ومتشعب،غير أنه من المهم جدًا في النظام القضائى العقابى في أى تشريع مراعاة التناسب بين الخلل والعقاب المحددله لتتحقق فاعليته ،ويتأكد دوره الإصلاحى والتهذيبى بالنسبة للفرد والمجتمع . وفى الحديث عن هذا الجانب من التشريع الجنائى في القضاء الشرعى الإسلامى لابد من طرح حقيقة مهمة تكمن في شدة العقوبات التى فرضتها الشريعة الإسلامية على الجرائم المرتكبة ضد النفوس ،والأعراض والأخلاقيات الاجتماعيةالمنحرفة،والأموال ....إلخ،إذا نظر إليها مستقلة ،ومنفصلة عن الجرائم المرتكبة ضد الأفراد والمجتمع . وهذا أمر مسلم لا يستطيع أحد إنكاره.بيد أنه إذا نظر إلى العقوبة مقترنة بالجريمة وإدراك آثارها وأبعادها الاجتماعية يتبين تناسبها مع مخاطرها وأبعادها الاجتماعية تناسبًا تامًا ودقيقًا ،وهو ما راعته الشريعة الإسلامية بدقة في قانون الجنايات وأحكام القضاء الشرعى . وقد بذل فقهاء الأمة في كافة العصور جهدهم لبيان فلسفة التشرع الإسلامى في إيقاع العقوبة رابطين بين خطر الجريمة وتناسب العقاب عليها،وممن تطرق لهذا الجانب الإمام ابن القيم حيث يقول:"فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض ،فى النفوس ،والأبدان،والأعراض ،والأموال ،كالقتل ،والجراح،والقذف،والسرقة؛ فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن الجنايات غاية الإحكام،وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر،مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجانى من الردع؛فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل،ولا في الزنا الخصاء،ولا في السرقة إعدام النفس .وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه ،وصفاته من حكمته،ورحمته،ولطفه،وإحسانه،وعدله لتزول النوائب ،وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ،ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه ؛ فلا يطمع في استلاب"