لذلك فقد أثبتت التجربة العملية أنّ هناك حاجة لأحكام سديدة لوقائع جديدة، في نفس الوقت الذي أبرزت الحاجة الاستغناء عن بعض الأحكام التي ثبت عجزها وعقمها عن تحقيق مقاصد الشريعة وغاياتها العليا وفقًا لنظرتها الشمولية المتكاملة، دون إنكار لدور الفقهاء الذين أعطوا البعد الفقهيّ والفكريّ والنظريّ لهذه المشاكل، والقضاة الذين أعطوا المرونة والحركة والحيوية لها، من خلال حكمتهم وفراستهم في إنزال أحكام النصّوص على الوقائع استحضارًا لمقاصد الشريعة العليا وأهدافها في الحفاظ على الضروريات الخمس.
والمتفحص لأحكام قانون الأحوال الشخصية الجديد تبدو له -جليا- الجهود الكبيرة التي بذلتها اللجنة القائمة على صياغة هذا القانون من القضاة الشرعيين والفقهاء في صياغة الأحكام وتناسقها، وقدرتها على حماية الحقوق، والموازنة بينها وبين الواجبات ، بإسلوب وقائيّ وعلاجيّ بآنٍ واحد، ارتقاءً بأهداف هذا القانون ليتناسق مع دقة الصياغة وجمال الصنعة التشريعية لهذه الإحكام التي تمثل فرعًا من فروع الفقه الإسلاميّ الذي حكم وما يزال يحكم جانبا كبيرًا من شؤون الأمة، وعليه فإنّ هذه الأحكام تمثل الدرة المضيئة في تاج الأمة الفقهيّ، فقه الأحوال الشخصية، الذي هو فرع من فروع الفقه الإسلاميّ، إنّ مثل هذه النصوص وما تضمنته من أحكام جديدة يحتاج إلى قضاة يرتقون إلى مستوى روح هذا القانون ومقاصده وأسبابه الموجبة، إذ ليس الغاية هو إصدار تشريع جديد، بقدر ما هو وسيلة لإحقاق الحقوق وأنّهاء الخصومة، وبالتالي فإنّ صلاح الأحكام يتأتى من خلال قدرته على تلبية متطلبات الحياة وحركة المجتمع بما ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية كما أوضحنا.