وأما المفتي فإن تجرده من الهوى اشد لزوما من المستفتي ، لأنه مخبر عن الله تعالى فإن أفتى بهواه موافقة لغرضه أو غرض من يحابيه كان مفتريا على الله لقول الله تعالى { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النحل: 116، 117] . لقد عشنا في زمن سمعنا فيه فتاوي خاطئة وآراء شاذة فيها محادة لله ورسوله ، منها: القول بجواز ربا البنوك مع ظهور الربا ظهور بينا ووضوحه في هذه المعاملات وضوح الشمس في رابعة النهار مع أن الله تعالى حرم الربا بنصوص قطيعة الثبوت قطعية الدلالة منها قوله سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ .فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة: 278، 279] ورغم هذا الوعيد الشديد فقد خرج على الأمة من أفتاها بجواز ربا البنوك ، دون وجل أو خوف من ملك الملوك ، أو خشية من عذاب الله ، أو رهبة من حرب آذن بها الله ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
قال ابن القيم: (( لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض ، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتي به ويحكم به ويحكم على عدوه ، ويفتيه بضده وهذا من أفسق الفسوق ، وأكبر الكبائر ) ) (1) .
(1) إعلام الموقعين 4/211.