الصفحة 16 من 18

وثالثها: أنَّه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبُّه ومقصوده فإنَّ الخاشعَ الذليلَ إنما يسال مسألةَ مسكينٍ ذليلٍ، قد انكسر قلبُه وذلَّت جوارحُه وخشع صوتُه ؛ حتى إنَّه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أنْ ينكسر لسانُه فلا يطاوعه بالنطق وقلبه يسأل طالبًا مبتهلًا. ولسانه لشدة ذلته ساكتًا وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا.

ورابعها: أنَّه أبلغ في الإخلاص.

وخامسها: أنَّه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء فإنَّ رفعَ الصوت يفرقه فكلَّما خفض صوته كان أبلغَ في تجريد همَّته وقصده للمدعو سبحانه.

وسادسها - وهو من النكت البديعة جدًا: أنَّه دالٌّ على قربِ صاحبه للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد ؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } فلمَّا استحضر القلبُ قربَ الله عز وجل، وأنَّه أقرب إليه من كلِّ قريبٍ أخفى دعاءه ما أمكنه.

وقد أشار النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المعنى بقوله في الحديث الصحيح: لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: (( أربِعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) )وقد قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ } [البقرة/186] وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربًا عامًّا مِن كلِّ أحدٍ فهو قريبٌ من داعيه وقريبٌ من عابديه ، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .

وقوله تعالى: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت