من مخرجه وصفته، إلى جانب ما يضفيه صوت القارئ من حسن على القراءة، وقوة في التأثير على النفوس، ويبدو أن كلمة التجويد لم تكن مستخدمة مع هذه الكلمات في تلك الفترة المتقدمة من الزمن.
ولعل هذه الكلمات وما يرادفها في المعنى، ظلت مستخدمة في وصف قراءة القرآن، منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعين، إلى ما بعد عصر التدوين والتأليف بزمن طويل، ولقد تتبعت صفحات كثيرة من كتاب «السبعة في القراءات» لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت 324 هـ) ، لأجد كيف يستخدم الكلمات في وصف القراءة والقراء، فما وجدته استخدم كلمة التجويد، وما يتصل بها من ألفاظ، وقد وجدت ابن مجاهد يقول عن عاصم بن أبي النجود: «وكان عاصم متقدما في زمانه، مشهورا بالفصاحة، معروفا بالإتقان» «1» . وكان ابن مجاهد يقصد في عبارته هذه ما قاله الداني فيما بعد:
«وكان عاصم موصوفا بحسن الصوت وتجويد القراءة» «2» . وما قاله ابن الجزري عن عاصم أيضا من أنه «3» : «جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن» . ومن ثم يبدو أن كلمة (التجويد) لم تكن قد ذاعت في زمن ابن مجاهد فلجأ إلى كلمة (الإتقان) .
وإذا تجاوزنا ابن مجاهد إلى معاصره أبي مزاحم الخاقاني (ت 325 هـ) ، صاحب أول مؤلف في علم التجويد، لننظر أي الألفاظ يستخدم للتعبير عن العلم الذي نتحدث عنه، وجدنا أنه لم يستخدم كلمة التجويد في قصيدته، ويمكنك أن تعود إلى القصيدة ثانية وتتأمل في ما استخدمه فيها من ألفاظ بهذا الصدد، وأنقل هنا البيت الخامس من القصيدة، وهو قوله:
(1) كتاب التحديد ص 70.
(2) التحديد ورقة 91 و.
(3) غاية النهاية 1/ 346.