2-إماتة روح الجهاد في الأمة الإسلامية، وهو أمر مترتب على السابق، يقول الدكتور فهد الرومي:"لعل أول ثمرة يجنيها أولئك القوم في سعيهم إلى التقريب بين الأديان: القضاء على فكرة الجهاد في الإسلام. فما دامت الأديان الثلاثة كلها حق، وليس بينها من فرق، فليس هناك من داعٍ لحمل السيف وإعلان الجهاد ضد النصارى مثلًا" [1] .
قلت: ولهذا كان محمد عبده يرى بأن الجهاد في الإسلام هو للدفاع فقط! ويقول:"القتال فيه -أي الإسلام- لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله" [2] . وهكذا كان رأي تلاميذه من بعده [3] .
بل لم تقتصر محاولة إماتة الجهاد عند محمد عبده على بلاد مصر فقط بل كان يرسل النصائح بذلك إلى علماء الجزائر المحتلة حينذاك من فرنسا!
ومن ذلك قوله للشيخ الجزائري عبد الحميد سمايا سنة 1903م بعد أن نصحه:"الناس محتاجون إلى نور العلم، والصدق في العمل، والجد في السعي؛ حتى يعيشوا في سلام وراحة مع من يجاورهم من أهل الأمم الأخرى" [4] !! فالمهم عند عبده ومن سيتبعه من العصرانيين!"أن يعيش في سلام وراحة"وإن كانت بلاده محتلة مستعبدة من عبّاد الصليب !
والعجب لا ينقضي من حال محمد عبده، الذي انعكست الأمور عنده، فجعل جهده وجهاده -كما سبق- في تهييج المسلمين على ولي أمرهم، والمساهمة في الخروج عليه. وهو أمر لا يقره الشرع. ثم تجده هنا عندما احتاج المسلمون إلى جهاد الكافر المحتل، وهو أمر شرعي، يثبط عن ذلك ويرضى بالمسالمة ! فحُق أن يقال له ما قاله أبو الطيب:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى!
(1) ... منهج المدرسة العقلية ، ص139.
(2) ... الأعمال الكاملة (3/260) .
(3) ... انظر فتوى تلميذه رشيد رضا بذلك في فتاواه (3/892، 1155) . وللشيخ عبد الله بن يابس رحمه الله تعقب عليه نُشر في"المنار" (المجلد 34 الجزء 2 ص140-143) .
(4) ... الشيخ محمد عبده في أخباره وآثاره، د. رحاب عكاوي ، ص 61-62.