فهذا الحديث دليل على مشروعية المبادرة بالوصية وكتابتها، خشية مباغتة الموت، فكم من شخص مات في حال صحته أو مرضه عنده أموال طائلة، وله حقوق وعليه حقوق، يريد أن يوصي بشيء من ماله، ليجري له عمله بعد موته، فاخترمته المنية قبل أن يصنع ذلك .
ويستحب عدم تأخير الوصية إلى حضور أمارات الموت
لقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل:
أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشي الفقر، وتأمل الغني ولا تُمْهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان.
(البخاري ومسلم)
ومعني الحديث أن الشحّ غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف علي الموت وآيس من الحياة ورأي مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة و"الشح"رجاء البقاء وخوف الفقر، و"تأمُل الغني"بضم الميم أي: تطمع به . ومعني"بلغت الحلقوم"بلغت الروح، والمراد قاربت بلوغ الحلقوم، إذ لو بلغته حقيقة لم تصحّ وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء . ... (شرح صحيح مسلم للنووي:7/129)
ولا يوصي بأكثر من الثلث، لحديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - حيث سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
عن الوصية بماله كلّه ؟ فقال:"لا"وبالثلثين ؟ فقال:"لا"، وبالنصف فقال:"لا"،
ثم قال عليه الصلاة والسلام:"الثلث والثلث كثير". ... ... ... (البخاري ومسلم)
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لو أن الناس غَضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الثلث، والثلث كثير."
وفي رواية عند الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -:
"وددت أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع في الوصية".
ـ معني"غضّوا": نقصوا وحطّوا . (فتح الباري:5/370)
فائدة