وقد يقال: إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك في المعدة ويسروه ويحدره، ويميعه، ويعدل كيفيته، ويكسر سورته فيريحها، ولاسيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة غريزة عندهم ... والله أعلم.
ثم قال ابن القيم - رحمه الله -:
فإنه من أنفع الأغذية للناقة، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطف والتلبين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقة، ولاسيما إذا طبخ بأصول السلق، فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف، ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه.
وأخرج الترمذي من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت:
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصُنع، ثم أمرهم فحسّوا منه، وكان يقول: إنه ليرتق".
وفي رواية أحمد وابن ماجة:"إنه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها".
ـ يرتو أو يرتق: أي يشد ويقوى. ـ يسرو: يكشف ويزيل.
وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي، وهو أكثر غذاءً من سويقه، وهو نافع للسعال، وخشونة الحلق، صالح لقمع حدة الفضول، مدرٌّ للبول، جلاء لما في المعدة، قاطع للعطش، مطفئ للحرارة، وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل.
وصفته:
أن يؤخذ من الشعير الجيد الموضوض مقدار، ومن الماء الصافي العذب خمسة أمثاله، ويغلى في قدر نظيف، ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه ويصفى، ويستعمل منه مقدار الحاجة محلًا. أهـ
(من كلام ابن القيم كما في زاد المعاد)
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: