أما في المشرق فقد اعتبر المذهب السني ابن سينا مرتد لاعتقاده بخلود العالم، على عكس فكرة خلقه في وقت ما من لا شيء حيث جاء ذلك في تفسيره للآيات القرآنية حول الخليقة، وبالرغم من ذلك فقد تأكد لرجال الدين السُنة عدم مقدرتهم على الاستمرار في موقفهم في المجادلة مع الفلاسفة حتى ظهور الغزالي الذي اطلع على مناظرات اتباع الافلاطونية الحديثة من العرب فكان من نتيجة تلك المطالعة والدراسات الخاصة قيامه بكتابة تقييم موضوعي لآرائهم ثم كتب تفنيدًا قاطعًا لها [1] . فقد كاد اجل الفسلفة العربية في الشرق ينقضي بموت ابن سينا، ذلك ان نزعة السلاجقة السنية القوية وارتياع رجال الدين من الآراء الفلسفية الجريئة، وانتصار نزعة الغزالي الصوفية، لم تلبث كلها ان قضت على كل تفكير [2] ، فقد ذكر ابن رشد:"ان الغزالي صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه اليه فهمه، وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد [3] . فزعم انه إنما ألف هذا الكتاب للردّ عليهم ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة، فكفرّهم فيه في مسائل ثلاثة: من جهة خرقهم للإجماع كما زعم، وبدعهم في مسائل، وأتي فيه بحجج مشككة، وشبه محيرة أضلت كثيرًا من الناس عن الحكمة وعن الشريعة" [4] .
فقد حارب الغزالي الفلسفة والفلاسفة حربًا لا هوادة فيها لارضاء جماهير أهل السنة الذين كانوا يمقتون الفلسفة والفلاسفة وذلك تقربًا منهم واستجاءًا لعطفهم، كما ان نقمته الضاربة على الحركات الباطنية والتعليمية ليكسب ود السلطان ومن حوله من الفقهاء والعلماء حيث تم له ما اراد ولُقب بمحيي الدين وحجة الاسلام وسيف السُنة [5] .
(1) . ... واط، اثر الاسلام، ص67.
(2) . ... ديورانت، قصة الحضارة، ج13، ص212.
(3) . ... المقصود به كتاب الغزالي (مقاصد الفلاسفة) .
(4) . ... ابن رشد: فلسفة ابن رشد ، ص89.
(5) . ... غالب، فلاسفة من الشرق، ص153.