يتضح لنا مما تقدم ذكره بان رواج وانتشار فكر ابن سينا في اوربا خلال المرحلة التي نحن بصدد دراستها كان قد وصل الى أوربا عن طريق اسبانيا (الأندلس) التي استمر وجود المسلمين فيها مدة ثمانية قرون مما ساعد على انتشار اللغة العربية، فكانت هنالك ازدواجية لغوية عربية ورومانية بين عامة الشعب فاصبحت اللغة العربية الفصحى لغة الثقافة للاسبان والى جانبها اللاتينية الفصحى التي كان استعمالها ضيقًا [1] ، فالمؤلفات الاسلامية المشرقية كانت تصل الى الاندلس عن طريق الحجاج والتجار ومنها مؤلفات ابن سينا فقد ذكر ابن ابي أصيبعة نقلًا عن ابن جميع المصري في كتاب (التصريح بالمكنون في تنقيح القانون) :"ان رجلًا من التجار جلب من العراق الى الاندلس نسخة من كتاب القانون" [2] ، فتمت ترجمة كتاب القانون الى اللاتينية والعبرية في الاندلس، فضلًا عن ذلك فقد كان لصقلية وايطاليا اثر واضح في ترجمة ونقل مؤلفات ابن سينا الى اوربا حيث بقيت صقلية تحت حكم المسلمين من اوائل القرن الثالث الى القرن الخامس الهجري/التاسع الى القرن الحادي عشر الميلادي فتكونت بيئة علمية رفيعة المستوى في مدينة بالرمو [3] .
كما يمكن القول بان افكار ونظريات ابن سينا لاقت رواجًا وانتشارًا في الغرب أكثر من الشرق خلال القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي وما بعده ويعود سبب ذلك الى ما يأتي:-
1.... ترجمة مؤلفات ابن سينا مبكرًا، فقد كان لمثقفي اوربا معالم مذهبه وخاصة (كتاب النفس) و (الالهيات) اذ مدهم ذلك بعلم نفس منظم الاجزاء متصلًا اتصالًا وثيقًا بمبادئ ميتافيزيقيا شاملة تربط الانسان بالله.
(1) . ... الحاج قاسم محمد، الطب عند العرب، ص 377-378.
(2) . ... ابن أبي أصيبعة، عيون الانباء، ج3، ص104.
(3) . ... سزكين، محاضرات، ص122.