لقد استعمل ابن سينا في هذا التعليل وبصورة ضمنية مبادئ التكاثف والتبخر، وفهم جيدًا ان كثافة الماء تقل اذا تحولت من مادة صلبة الى مادة سائلة، ومن مادة سائلة الى مادة غازية وبالعكس، كما انه عامل الهواء كمائع، واستعمل قوانين ارخميدس في طوفان المواد القليلة الكثافة فوق المواد التي كثافتها اقل، وهذا ما أقره العلم الحديث بأجهزته وقياساتهِ الدقيقة [1] .
أما الطل فلا يتكون من سحاب، بل من البخار اليومي المتباطئ في الصعود، القليل المادة، إذا اصابه برد الليل وكثفه وحوله ماء ينزل نزولًا ثقيلًا في أجزاء صغار جدًا لا نحس بنزولها الا عند اجتماع شيء يعتد به، فان جمد كان صقيعًا [2] .
أما الضباب فيقول ابن سينا:"هو من جوهر الغمام، الا انه ليس له قوام السحاب فما كان منه متحررًا من العلو وخصوصًا عقب الأمطار، فانه ينذربالصحو، وما كان منه مبتدءًا من الاسفل متصعدًا الىفوق ولا يتحلل فهو ينذر بالمطر". وهذا التفسير يتفق تمامًا مع الحقائق العلمية المعترف بها حاليًا، يؤكد عبد الحليم منتصر بان ما قاله ابن سينا في هذه المسائل صحيح في جملتهِ، وفي كثير من تفصيلاته، فعمر الارض ما زال العلماء مختلفين فيه، حيث قال ابن سينا:"في مُدد لا تفي التاريخات بحفظ اطرافها"وكان العلماء قد قدروا هذا التاريخ بالفين من ملايين السنين ومنهم من يزيده الى ثلاثة او اربعة آلاف من ملايين السنين، وميزّ ابن سينا بين سرعة وصول الضوء وبين الصوت الذي يحتاج الىزمان لوصوله، بينما يصل الضوء في الآن، فالفرق بين سرعتيهما هائل جدًا، انه الفرق بين ثلاثمائة الف من الكيلومترات في الثانية هي سرعة الضوء وبين 340م في الثانية هي سرعة الصوت [3] .
(1) . ... نجيب عبد الرحمن ، دراسات، ص 303.
(2) . ... منتصر، الشفاء لابن سينا، ص 259.
(3) . ... ن. م ، ص 260.