الصفحة 2 من 76

تتنامى الدعوات بين المؤرخين إلى وجوب التعامل مع الحدث التاريخي بانسيابية تسمح لمساره بالتواصل ، ومكمن القول هنا أن التعامل الأمثل مع الوقائع التاريخية ينبغي أن يتوافر فيه شرط النظرة الشاملة وليس المجزأة، فالنظرة الشاملة هي الوسيلة المثلى لفهم التغييرات ورصد المؤثرات والتدقق من الأسباب والنتائج، بينما في المقابل تضيّق النظرة المجزأة للتاريخ ليس من فهم مسار الحدث فحسب، بل تنفي عنه كل الإيجابيات المرصودة من النظرة الشاملة.

لقد عانت المعالجات التاريخية طويلا، في الماضي ولا تزال، من تقطيع وقائعها إلى أزمنة السنين والعصور والعهود، وإلى تضييق مسرحها إلى جيوب جغرافية محدودة . وحينما انصب الأمر على دراسة الأفراد، تناولت مثل هذه الدراسات الفرد بعيدا عن المؤثرات التي ولد وعاش فيها، وبانفصال عن الأوضاع والظروف التي تعامل معها. إن المجزئين للتاريخ على هذا النحو، والقاطعين لمدده، يمكن القول بأنهم ضيقوا من الفهم الأسلم للتاريخ، كما أنهم بتضييقهم لمنافذ الرؤية الواسعة له، ضيعوا على أنفسهم وعلى الآخرين سبل الوصول إلى مكامن أسراره.

يمكن رصد الضرر الناتج من وضع الحواجز الفاصلة المعوّقة لمسارات التاريخ في غير مسألة، وفيما يخص بحثنا هذا، فتمثل قضية انتقال السلطة مثلا واضحا فيها. من المنظور العام تبقى القضايا المتعلقة بولاية العهد من القضايا التي تشترط النظرة الشاملة لمتابعة مسارها، فهي قضية يحكمها التواصل بين العاهد والمعهود إليه، كما تحكمها الظروف الداعية لها والنتائج المترتبة عليها، وهي في المقام الأهم تختلف خيوط الربط بين عهدين، عهد منصرم وعهد آت وما بينهما من روابط ودواعٍ متحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت