وحينما أراد عمر رضي الله عنه غزو نهاوند نصحه عدد من الصحابة بالبقاء في المدينة المنورة, وقال له علي رضي الله عنه:"أما بعد يا أمير المؤمنين, فأنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلي ذراريهم, وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلي ذراريهم, وإنك إن أشخصت من هذه الأرض انتفضت عليك الأرض من أطرافها وأقطارها.. أقرر هؤلاء في أمصارهم, واكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق.. ولتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم)" [1] ، وحصل الاتفاق بعد الخلاف، وينقلب الأمر والخلاف في واقعة أخرى فيشير فريق على عمر رضي الله عنه بالخروج بنفسه, وفريق من الصحابة يرى عدم خروجه، وذلك حينما تحصن المشركون ببيت المقدس وأجابوا إلى الصلح بشرط قدوم الخليفة عمر رضي الله عنه عليهم، فأشار عليه علي رضي الله عنه بالمسير إليهم"ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم" [2] .
وقال له:"إن القوم قد سألوك المنزلة التي لهم فيها الذل والصغار، ونزولهم على حكمك عز لك وفتح للمسلمين.. حتى تقدم على أصحابك وجنودك, فإذا قدمت عليهم كان الأمر والعافية والصلح والفتح إن شاء الله"، فأخذ عمر بمشورته [3] .
(9) هدى السلف في الاتفاق في مسائل الحلال والحرام:
لقد كان لنكاح المتعة، المنسوخ حكمه مثالًا لاتفاق السلف رضي الله عنهم، وأنموذجًا يحتذى به في تجاوز الخلاف بأقل قدر من المشورة والمعالجة المبنية على الدليل الشرعي من الأصلين الكتاب والسنة، فقد أفتى ابن عباس بجوازه، بيد أنه سرعان ما رجع عنه لما ناظرته الصحابة فيه وأبانوا له الدليل، وبعد أن سرت بفتواه العامة، ورجز بها فحول الشعراء:
يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ... ... هل لك في رخصة الأطراف آنسة
(1) تاريخ الطبري: 2/524، والمنتظم: 4/273.
(2) البداية والنهاية: 7/55.
(3) الفتوح: 1/225.