فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث ، وكذلك من غلبت فضائله هفواته اغتفر له ذلك ، وفي هذا الصدد يقول الحافظ الذهبي: »وإنما العبرة بكثرة المحاسن« (21) .
وهذه القاعدة جليلة تعد بمثابة منهج صحيح في الحكم على الناس ؛ لأن كل إنسان لا يسلم من الخطأ ، لكن من قل خطؤه وكثر صوابه فهو على خير كثير ، والإنصاف يقتضي أن يغتفر للمرء الخطأ القليل في كثير صوابه.
ومنهج أهل السنة هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ والنظر إليه بعين الإنصاف.
وهناك قاعدة أخرى يمكن اعتبارها في هذا الباب وهي »العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية« (22) .
القاعدة الثامنة إحالة الحوادث على الخطأ في الاجتهاد:
أما إن المجتمع الإسلامي يسير على السنن الطبيعية لكل المجتمعات ، فهذا حق ، ونحن لا نعصم فردًا أو مجتمعًا من أن تسري عليه هذه السنن ، إلا أن يكون نبيًا أو رسولًا ، ومن هنا يجب أن نعلم أن الذين صنعوا التاريخ رجال من البشر يجوز عليهم الخطأ والسهو والنسيان وإن كانوا من كبار الصحابة وأجلائهم ، إلا أنه ينبغي إحالة الحوادث إلى الخطأ في الاجتهاد، ونذكر ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أن المجتهد المخطئ له أجر، والمصيب له أجران (23) فهو على كل حال مأجور ، فلا ننقصه وقد آجره الله، كما أنه قد تشهد له دلائل وفضائل أخرى ، وتشفع له مواقف ثابتة.