سادسًا: معرفة طبوغرافية أرض المعركة: حيث كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أشد حرصًا على دراسة أرض المعركة ، والتعرف على ظاهراتها الطبيعية قبل أن يدفع قواته إليها ، وبتعرف المسلمين على تضاريس أرض بدر سيطروا على موارد المياه ببدر وعطلوا الآبار في الجهة التي يفترض أن يقدم إليها المشركون.
وهكذا فإن انتصار المسلمين لا يرجع إلى سبب أو عامل واحد ، بل أثرت عدة عوامل إيمانية ونفسية وتنظيمية واستراتيجية وجغرافية في نتيجة المعركة لصالح المسلمين.
ولنعط مثالًا آخر: فلا يمكن أن يقال مثلًا: إن الشعب الأفغاني صمد في وجه المحتلين بسبب إيمانه ، أو بسبب صعوبة تضاريس أرضه من جبال وكهوف أو بسبب رصيد الفطرة لديه ، أو بسبب العون الخارجي ، أو بسبب وجود قواعد خلفية له في بلد مجاور..
إنه لم ينفرد سبب واحد من هذه الأسباب بولادة ظاهرة الصمود ، بل إنها جميعًا مع أسباب أخرى أسهمت في إيجاد وضع متميز يستمد تميزه من خصوصية شروطه وأسبابه.
إن إدراك مقومات النفس الإنسانية جميعها روحية وفكرة وجسدية لا يتوفر في غير المنهج الإسلامي ؛ لأن التصور الصحيح عن هذه القضايا المؤثرة والفاعلة في الحدث التاريخي لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي المعصوم من الخطأ »الكتاب والسنة«.
فبواسطة التلقي من الوحي يعرف المسلم هذه العوامل ، ويعرف قدر كل عامل وقيمته وتأثيره في النفس ، والنسب الصحيحة للعلاقات بين تلك العوامل جميعًا ؛ لأن مصادر تلقيه من لدن الله جل وعلا ، الحكيم الخبير الذي يعلم خبايا النفس الإنسانية ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض أو في السماء.
القاعدة الخامسة العلم بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم والتثبت فيما يقال عنهم:
يقول الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في هذا الصدد: »واحفظ لكل منزلته وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحق ، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل« (1) .