فهذا الكلام من ابن خزيمة - رحمه الله - يمثل منهجه في هذا الكتاب، وبه يتضح غلط من زعم أن ابن خزيمة كابن حبان يصحح لمن لا يعرف بعدالة ولا جرح؛ فابن خزيمة يتوقف عن ذلك كما هو ظاهر من منهجه في هذا الكتاب في مواضع عديدة، حيث يقول:"إن صح الخبر فإني لا أعرف فلانًا بعدالة ولا جرح"، وهذه في الحقيقة تعتبر ميزة عظيمة لكتابه على كتاب ابن حبان.
دقته - رحمه الله - في تعقبه للأحاديث:
...ومن دقته - رحمه الله - تعقبه للأحاديث بما يزيل اللبس على المطلع على كتابه، فمثلًا حين أخذ في ذكر الأدلة التي تتعلق بالحجامة للصائم، وحتى لا يقال: إنه ذكر الحديث في كتابه فهو صحيح إذا على شرطه - نبه على ذلك فقال:"فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح؛ فليس من شرطنا في هذا الكتاب".
وقد يورد ابن خزيمة إسنادًا فيه راو يعلم هو أنه ثقة، ولكنه يخشى أن يقف عليه من لا يعرف ثقته فيتهمه بالتساهل، فنجده - رحمه الله - يورد بإسناده عن بعض الأئمة ما يفيد ثقة ذلك الراوي.
فمن أمثلة ذلك أنه أخرج حديثًا من طريق عبد الله بن أبي جعفر، ثم ذكر بإسناده عن الليث بن سعد - رحمه الله - أنه قال:"سمعت يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر - وهما جوهرتا البلد - يقولان: فتحت مصر صلحًا".
فابن خزيمة حينما أورد هذا النقل إنما أورده لأجل تعديل الليث لعبيد الله بن أبي جعفر.
أهمية صحيح ابن خزيمة وفائدته:
لصحيح ابن خزيمة فوائد عديدة جدًا، من جملة هذه الفوائد:
-أنه حفل باستنباطات فقهية دقيقة يعنون بها على كل باب، أي أن فيه شبهًا من صنيع البخاري - رحمه الله - في أبوابه، ويتبع ابن خزيمة هذه الأبواب بالأحاديث. فكتابه هذا يعد كتابًا فقهيًا ذا أهمية بالغة، لأن هذه الاستنباطات من ابن خزيمة مبنية على أدلتها، مستندة إلى نصوص يخرجها في نفس الكتاب.