الصفحة 22 من 127

لعله من المناسب أن نقدم وصفًا سريعًا لما نعنيه بمفهومي: الخطاب والسلطة قبل الدخول في تحليل التمثلات المعرفية الخاصة بهما وتوظيف المعرفي- السلطوي في بنية الخطاب. و يمكن إيجاز مفهوم"الخطاب"بأنه مجموعة النصوص المتداخلة التي تشكل خطابًا فكريًا ومعرفيًا, أما مفهوم"السلطة"فهو لا يعني-بالضرورة- هنا السلطة السياسية المادية بأجهزتها الأمنية أو هياكلها التنظيمية، وإنما نعني به السلطة في جانبها المعرفي ، أي السلطة بوصفها سلسلة من المفاهيم أو شبكة من الممارسات، وبالتالي فإن المعرفة سلطة ، والنص سلطة، والقبيلة سلطة، والتقسيمات الإدارية والفئوية والطائفية تعد شكلًا من أشكال السلطة؛ بل إن علاقات الرحم والنسب والقرابة, وكذلك الممارسات اليومية المنزلية تعد مظهرًا من مظاهر السلطة (صفدي,1991) .

وإذا حاولنا أن نحلل الخطاب التاريخي في هذا الكتاب يظهر لنا أولًا أنه خطاب تاريخي سياسي مخادع ومخاتل, وذلك من حيث تمترسُ مضمرات نسقية وراء شعارات آيدلوجية لتبرير ما هو سياسي وسلطوي، وذلك من خلال خلع الطابع الديني على الحملات والحروب الصليبية ووصفها بالحرب المقدسة، فالخطاب هنا يتقنع بالصفة الدينية لشرعنة أهداف سياسية تقوم على السيطرة والتوسع.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى,فإن"الوظيفة الآيدلوجية"تبدو هي الأطروحة المركزية للخطاب التاريخي، ويتجلى ذلك في تكريس نصوص متكاملة للحديث عن مدى انتشار المسيحية وعلاقة ذلك بالحملات التبشيرية، وكذلك الحديث عن المعتقدات الدينية وربطها لا شعوريًا بتعزيز مفاهيم الهوية والانتماء, أضف إلى كل ما تقدم, الحضور البارز للنفس الديني ورموزه وإشاراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت