الصفحة 3 من 38

وَبيّن ابن القيم أن هذا المسلك الدقيق أوقع طائفتين من الناس في الخطأ حيث قال: «وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس: طائفة تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح، وقد احتج فيه، فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط الصحيح وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات.

والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تكلم فيه بسب حديث رواه، وضُعّف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه.

وخلص ابن القيم إلى أن الصواب: ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه، والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر.

ومثل لذلك بصنيع: «إمام الحديث البخاري: يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه، ولا يحتج به في صحيحه، ولا تناقض منه في ذلك» (1) .

ومن الذي يسلم من الغلط والوهم (2) ، حتى وإن كان من أضبط الناس وأحفظهم (3) ، لكنه يقل ويكثر، قال ابن حجر - رحمه الله: وأما الغلط فتارة يكثر من الرواة، وتارة يقل، فحيث يوصف الراوي بكونه كثير الغلط، ينظر فيما أخرج له - أي البخاري- فإن وجد مرويًا عنده، أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، عُلم أن المعتمد أصل الحديث، لا خصوص هذا الطريق.

وإن لم يوجد إلا من طريقه، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح -بحمد الله- من ذلك شيء.

(1) ابن القيم: تهذيب مختصر سنن أبي داود 5/325- 326.

(2) قال سفيان الثوري: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد. الخطيب -الكفاية: ص 228. وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم، ابن رجب - شرح العلل 1/159.

(3) قال مسلم بن الحجاج: فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضيين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل- إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله. التمييز: ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت