الصفحة 31 من 49

إني لا أريد أن أحشر في هذا المبحث الوجيز أمثلة لعظمة حفظ علماء العلل وسعة اطلاعهم وغزارة علمهم وكمال فهمهم ؛ لأن الطريق الذي سلكته في هذا المبحث أضيق من أن يتسع لذلك ؛ ولأن تلك المناقب معروفة بل هي مشتهرة متواترة ؛ وقد ذكرها جملةً أو تفصيلًا وتمثيلًا كثير من المؤلفين قديمًا وحديثًا ، كابن أبي حاتم في ( تقدمة الجرح والتعديل ) ، وأصحاب التواريخ الموسعة كالخطيب وابن عساكر والذهبي في تواريخهم ، وأصحاب كتب السير والطبقات والرجال ، كالذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) و ( تذكرة الحفاظ ) والمزي في ( تهذيب الكمال ) ، وأشار إليها أصحاب كتب المصطلح كالخطيب في ( الكفاية ) و ( الجامع ) ، وابن الصلاح ومن تابعهما ؛ وغيرهم كثير جدًا .

وأما علماء الطائفة الثانية فليسوا كذلك في معرفة الجزئيات والتفاصيل وحفظها ؛ فلا يُعلم أحدٌ خالف طريقة علماء العلل وتأثر ببعض طريقة المتكلمين ومشى على طريقة محدثي الفقهاء ، إلا وهو دون علماء العلل ، بكثير ، في كل - أو معظم - مناقبهم وخصائصهم ، التي أهلتهم لحفظ تفاصيل هذا الفن ومعرفتها وبيانها بكلام محققٍ دقيق محكم مصيب أو قريب ، حتى كأنهم أُلهِموه إلهامًا ؛ أو كأنهم صحبوا كل راوٍ أعوامًا ؛ فهم يخبرون عن كل راو إخبار من أبصره ، بل من عايشه وعاشره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت