المثال الثامن: تقوية الراوي الذي يوثقه ابن حبان بكثرة الرواة عنه ولو كانوا من غير المتثبتين ؛ بل ولو لم يرووا عنه إلا حديثًا واحدًا أو حديثين أو ثلاثة أحاديث .
المثال التاسع: الحكم على طائفة كبيرة من الأحاديث بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما ؛ مع أن الأمر دقيق والمقام وعر جدًا ؛ وفي هذه المسألة تفصيل ليس هذا موضعه .
المثال العاشر: لا يحكمون على الحديث بالوضع إلا بشروط شديدة مثل أن يكون في سنده راو وضاع يتفرد به ؛ ويكون - مع ذلك - متنُه منكرًا جدًا ؛ وهذا خلاف صنيع الطائفة الأولى .
وهذه الأمثلة إنما هي قليل من كثير ؛ وإنما ذكرتها لتكون إشارة إلى ما وراءها ؛ والآن إلى الفرق الآخر .
الفرق الثالث:
وأما ثالث الفروق فهو الفرق بين الطائفتين في سعة الاطلاع على القواعد الفرعية والضوابط الجزئية والتفاصيل وتفاصيلها .
وهذا الفرق قد تقدمت الإشارة الواضحة إلى معناه ؛ بل هو في الحقيقة أصل أكثر الفروق الأخرى وأساسها وسبب نشأتها ، إن لم يكن أصلها كلها ؛ وهو زبدة هذا المبحث ، وعليه يدل عنوانه ؛ وحوله تدور أركانه ؛ فإن علماء العلل ، وهم أئمة الفن على الحقيقة ، قد بلغوا من معرفة التفاصيل مبلغًا عجيبًا ؛ ولولا ذلك لما تيسر لهم تعليل الأحاديث التي ظاهرها الصحة ولا تصحيح الأحاديث التي ظاهرها الضعف ، ولا الحكم على كل راو بكلمة واحدة معبرة عن جملة حاله ومتوسط أمره ؛ ولولا ذلك أيضًا لما خرجوا عن القواعد والضوابط في مئات بل آلاف من المرات ؛ ولولا ذلك أيضًا لما خالفوا من تقدمهم أو عاصرهم من الأئمة الجهابذة الأثبات ؛ فهم المجتهدون حقًا وهم العلماء قطعًا ؛ ورحم الله داود بن علي الظاهري إذ قال: ( من لم يعرف حديث رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بعد سماعه ولم يميز بين صحيحه وسقيمه فليس بعالم ) (1) .
(1) أسنده إليه الخطيب في ( الجامع ) ( 2/450 ) .