الصفحة 40 من 91

الجملة والفقرة. فتجد المترجم أجبن من أن يتجاوز شكل وقالب النص الأصلي وتراه يلتصق التصاقًا تعوزه الثقة والجرأة بل والمعرفة العميقة بمقتضيات الترجمة وشروط وقواعد اللغة المنقول إليها، فإذا به يضرب بها عرض الحائط ولا يأبه لشروط التعاطف والتماسك في اللغة العربية فتأتي جمله مفككة مرصوفة جملةً جملة تفتقر إلى الحبكة والترابط والاتساق. فإذا كان هذا ما يسمعه الناشئة من نماذج لغوية وأساليب إنشائية فلا عجب أن يصيب الخلل الإطار الفكري للأجيال القادمة. ولا بد لنا أن نعود إلى المربع الأول على حد قول أحدهم ، يعني (to go back to square one) ، فكلنا مترجمون ناسخون غير مبدعين لا نعير أي انتباه للملكية الفكرية للمؤلفين الأصليين، فندعي ما نترجمه ملكًا لنا ونستبيح جهد غيرنا دون رد الكلام إلى أصحابه كأدنى درجة من درجات النزاهة الفكرية والخلقية. وكيف لا ونحن نقسط الأخلاق للناس. قد يعتقد بعضهم أن هذا النهج هو نهج سليم يكفل للعرب الرقي والتقدم فلا ضير من النسخ والترقيع. ولكن الحقيقة المُرة أن تَعَلُّمَ اللغات الأجنبية خارج بيئتها لا يتخطى في جله مستوياتٍ معينةً من التعبير، ويتراوح التمكن من المستويات المختلفة لأنماط التعبير ولهجات الخطاب من فرد إلى آخر بحسب الملكة اللغوية والاستعداد الفطري عنده. وهذا جانب من أخطر الجوانب لأنه يحد من عملية الإبداع الفردي ويكبح القدرة على التعبير الكامل للوجدان فتطغى السطحية والقشرية على مجمل الفكر فينحصر في الحواشي ويبقى مُستقبِلًا متلقيًا غير فاعل أو منتج للحضارة والمعرفة والعلوم. وقد لاحظ المهاتما غاندي ذلك الأثر السلبي في خطابه الشهير الذي ألقاه في الرابع من شباط 1916، إذ قال:"إن لغتنا انعكاس لأنفسنا. فإن قلتم لي إن لغاتنا عاجزة عن التعبير عن أفضل الفكر، فإني أقول لكم أولى بنا أن نعجّل بالاندثار من الوجود. فهل هناك من يحلم بأن تصبح اللغة الإنجليزية إطلاقًا اللغة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت